تلفزة الثقافة على القنوات السورية

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 73 …
مرئي – مسموع

تستوفي المحطات العربية برامجها الثقافية على منوال تقديم القيمة المعرفية وإيصال الفائدة إلى أوسع شريحة ممكنة من المشاهدين، لكن كيف يتحقق ذلك بشروط ترويجية مميزة؟
لقد أصبح التواصل مع التلفزيون طقساً محبباً لدى الذائقة، الأمر الذي يبرهن على أهمية التقاطع مع عصر الصورة والدخول إلى أروقته ضمن منظومة فكرية تستثني الجانب الترفيهي، وعليه فإن ضرورة الحديث عن البرامج الثقافية على المحطات السورية يُعَدُّ همّاً شائكاً يحتاج لإعادة برمجة كمنتج ثقافي بصري يحتل مساحة كبيرة من وقت الإرسال التلفزيوني، ووقت المشاهد الباحث عن التشويق والتميُّز للوصول إلى متعة بصرية تحمل المعرفة والتسلية في آن.
برامج ثقافية نمطية
و في مكاشفة سريعة لأبرز برامج القناة الفضائية السورية، على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا أن نبدأ ببرنامج (شعراء) الذي لا يُتلمَّس في مزاج معدِّه إلا فسحة ضيقة من الشعراء، ويتناول تجاربهم في كتابة شعرية تكاد أن تنقرض من زمنها الذي أكل وشرب عليه تيار الشعر الجديد، والسؤال هنا: إذا أردنا أن نقدم للمشاهد تجارب شعرية، فنحن بحاجة لعزل ذائقة معدي البرنامج عن الذوق العام، وإدخال مقترح التنوع بين أعمار الشعراء واختلاف تجاربهم، لأن الشعر بكل الأحوال يقع، هذه الأيام، في مطب الغنائية البائدة والتقليد الجامد.
أمّا برنامج (دنيا الموسيقا) الذي كان سابقاً عنوانه (لغة العالم)، فيختلف فقط في التسمية، إنما نهج التواصل مع عالم اللحن عبر الشاشة الصغيرة انحصر بالحديث الجاف عن سيمفونيات عالمية أو محلية أو عربية وبثِّ جزءٍ منها، مع الاكتفاء بحديث على هامش البرنامج عن نشأة المؤلف وتاريخ ولادة نوطته التي ستقدم ضمن البرنامج، هنا يتحول البرنامج إلى خط تقليدي يفتقد لفن الإخراج، واختيار المعزوفات النادرة وتلفزتها بأسلوب حيوي يلفت انتباه المشاهد.
على عكس برنامج (هوامش ثقافية) الذي يعرض أيضاً على الفضائية السورية، حيث تلمس هوية مختلفة لنمطية البرامج الثقافية التي تقوم على الحوار بين شخصيات أدبية إشكالية تلقي الضوء على هموم راهنة في الساحة الثقافية، ويتمتع البرنامج بمقاربات ذكية ترصد ظواهر مؤثرة في المشهد الثقافي الأدبي تحديداً، وهذا ما يمكننا اعتباره سبقاً تلفزيونياً ثقافياً بحاجة إلى غربلة قليلة ليأخذ طابعه الزمني الدائم، وهنا يمكننا أن نشير إلى أهمية الأسلوب الترويجي للتواصل مع هكذا برنامج مهم يتلمّس محاوره من الشارع الثقافي السوري والعربي مباشرة.
كما يمكننا أن نشير على صعيد توقيت بث بعض الريبورتاجات الثقافية التي تهتم بمتابعة الأنشطة الثقافية وإضافتها إلى مفكرة القناة الفضائية السورية (الركن الثقافي) الذي ينجح أحياناً في تغطية أكبر مساحة ممكنة على مدى أسبوع من الفعاليات الثقافية الميدانية، بالإضافة إلى إجراء بعض اللقاءات مع القائمين على الفعاليات المتناولة، ولكن الاحتراف في رصد تلك الحالات هو ما ينقص هذه الفسحة القصيرة التي تدخل ضمن تصنيفات الأخبار الثقافية.
إن وضع التوقيت الأسبوعي الذي يرافق البرامج التي تحدثنا عنها أعلاها، يجعل من حرارة التواصل مع تلك البرامج لدى المشاهد في أدنى مستوياتها، والسؤال هنا: أين المشكلة تحديداً، في التوقيت؟ أم في النمطية التي سبرت تلك البرامج؟ أم يا ترى في كسل المشاهد في المتابعة؟
السينما تستجدي مشاهد التلفزيون
منذ نحو عقد كامل من الزمن كنا ننتظر كصائمين موعد عرض برنامج (إذا غنى القمر) الذي ترك بصمته الخاصة في التلفزيون السوري، حيث نترقب أخبار نجوم هوليوود وآخر أفلامهم، مع نظرة تحليلية لأهم الأفلام العالمية والعربية دون الشعور بالملل إطلاقاً، سواء على صعيد المادة البصرية التي يختارها المعد، أو على صعيد توقيت الفواصل الموسيقية التي تعلن عن بدء البرنامج أو عن نهايته، أمّا الآن مع برنامج (الفن السابع) فقد يختلف الأمر قليلاً، حيث يعرض على القناة الأولى التي لا تتابع بقوة كما الفضائية، مما يجعل البرنامج مقيد، بذائقة قليلة، وعلماً أن الحديث عن السينما خلال هذا البرنامج يتفق إلى حد معين مع ترغيب المشاهد بمتابعة السينما، إلا أنه يغرق أحياناً بعبارات جاهزة تحتاج إلى تبسيط معرفي كي تصبح على تماسٍ منطقي مع ما يختار من مشاهد الأفلام! لأن إدارة الحديث عن السينما تحتاج لليونة بصرية مميزة، ولأسلوب معاصر، وتنوع في وجوه المقدمين، علماً أن برنامج (إذا غنى القمر) جعل له جمهوراً كبيراً دخل الصالات السينمائية ليعيش تلك الحالة الرائعة التي كان يُصدِّرها لنا مقدم البرنامج آنذاك.
مع ذلك فإن القناة الأولى السورية التي تبثُّ على مداها الأرضي تتمتع بزخم برامجي فيما يخص الثقافة، ولكن السينما لا تنال من هذا النصيب سوى القليل وحصرية الإعداد والتقديم جمَّدت هذا الفن على الشاشة الصغيرة تماماً.
المعرفة ثقافة محصنة
منذ عشرين عاماً إلى الآن وبرنامج (آفاق علمية) الذي تتفرد به القناة الأولى قد حجز مكانه الخاص لدى محبي الاكتشاف العلمي، حيث شكل في ذائقتهم المعرفة ركناً خاصاً للعلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة والجغرافيا، وبات حضوره على الشاشة الفضائية ضرورة يجب الإلتفات لها، أمّا بالنسبة لأسلوب عرض المعلومة وتبسيطها، فقد تمتع مقدم البرنامج ومعده ببصمة مميزة جعلت من البرنامج أيقونة حميمة للمخيلة والذاكرة.
كما يقف إلى جانب ذاك البرنامج فسحة مهمة تسمّى برنامج (المعلوماتية) الذي يقوم برصد أحوال التكنولوجية وآخر اكتشافات العصر، ضمن فترة تقرب الساعة نتجول خلالها في أروقة عالم السرعة والرقاقات الإلكترونية، ونقل أهم أخبار كبرى شركات التصنيع التقني في مجال الكومبيوتر محلياً وعالمياً.
يمكننا أن نضيف برنامج (المجلة الثقافية) التي تتمتع بنشاط حِرفي في التقديم والإعداد، وتقوم بمواكبة ميدانية للأحداث الثقافية على الساحة المحلية على مدى ساعة من الزمن توصل للمشاهد المحلي آخر النشاطات الثقافية من السينما والمسرح والفن التشكيلي والمهرجانات.
مساحة ضيقة وزخم برامجي
رغم قصر وقت بثها تتمتع القناة الثانية بزخم برامجي على مدى الأسبوع، حيث تقدم برنامج (ثقافة وفنون) ثلاث مرات في الأسبوع تواكب من خلاله أنشطة الحراك الثقافي بطريقة مختلفة وبأسلوب فلاشي يعتمد التكثيف والإيجاز، بالإضافة إلى برنامج (منتدى الشهر) الذي يفتح ملفات ساخنة في الإعلام والمجتمع والإبداع، وإنما لا يكمن إغفال أن القناة الثانية تُخصِّص نصف وقتها للرياضة وهذا ما يجعلها أكثر حيوية ونشاط واقتراب من المشاهد المحلي، لكنها تحتاج إلى إعادة تنشيط لدورة برامجية أوسع لتحصل على تنوع بصري على صعيد المتابعة المحلية ضمن خطوة للبث الفضائي وهذا ما نأمله بأسرع وقت.
سورية دراما والتخصص البصري
يُعَدُّ إطلاق قناة سورية دراما الفضائية انعطافة أولى في الثقافة البصرية المحلية، حيث بدأت القناة خطوتها الأولى بالتوثيق لمؤسسي الدراما السورية التي تعد بنداً أساسياً في ثقافة الشارع السوري، وفي خطوة أخرى حاولت القناة كشف بعض إنجازات الدراما السورية طيلة العقود الماضية خلال فترة بثها التجريبي، وحين أطلقت رسمياً في الموسم الرمضاني الفائت سعتْ القناة إلى تسجيل نسبة متابعة واسعة، كمحطة فضائية متخصصة بالدراما والفنون البصرية عموماً من المسرح والسينما.
كما تحتوي خريطة قناة سورية دراما التي ستطلق قريباً برامج فنية تخصصية ترصد هموم الدراما السورية، وتحاور المبدعين على الشاشة الصغيرة، وتستضيف أبرز صنَّاع السينما السوريين والعرب.. وبذلك تحاول أن تشمل في جماهيريتها رصد الفن السوري من حيث الدخول إلى جوهر الأعمال خلال الفترة المقبلة.
أمّا على صعيد المواكبة الميدانية تحاول قناة سورية دراما الإلمام قدر المستطاع بأبرز الأحداث الفنية التي تقوم في سورية على مستوى عربي ومحلي من خلال برنامجها اليومي (أخبار الفن)، الذي يقوم بعرض ريبورتاجات تحليلية سريعة لأهم المسلسلات التي ستعرض في الموسم القادم، مما يجعل لدى المشاهد العربي تشويقاً خاصاً بوصف الدراما السورية كعلامة فارقة في الثقافة البصرية.
أخيراً
كنا نسعى من خلال هذه الوقفة السريعة إلى إلقاء الضوء على أبرز ملامح الحراك الثقافي على القنوات السورية، وما قلناه من دافع الحب والرأي لا أكثر، ونشدد على أهمية إيجاد صيغة مختلفة لتناول الهموم الثقافية بعيداً عن مهمة الموظف في التلفزيون، فمناقشة الإشكالات والظواهر الثقافية بصرياً يحتاج إلى امتياز حرفي ومهني معاصر في الإعلام المرئي، لأن مقدم البرنامج الاقتصادي يصبح هو نفسه مقدماً لبرنامج شعراء!!
لسنا مطالبين بالمزج بين وظيفة الموظف ضمن مبنى التلفزيون وما يبحث عنه المشاهد في الأفكار الجديدة التي يُصدِّرها لها البرنامج الثقافي بغضِّ النظر عن طبيعة مواضيعه، الإشكال أولاً في الترويج للبرامج، ثم بنمطية إدارة عجلة الإعداد التي نتمنى من زملائنا في البرامج الثقافية إعادة تهيئة منظومتها، لأننا بحاجة إلى دمٍ جديد يُحرِّك هذا الجفاف التلفزيوني الخجول ضمن أكثر من ثلاثين برنامجاً ثقافياً على خارطة الإعلام المرئي السوري.

أضف تعليق