جريدة شرفات لاشام
عمر الشيخ
العدد 65 …
مرئي – مسموع

يرصد العامل في مصلحة البريد «حسن» تاريخاً شاملاً يحتوي نقلات نوعية في حياة العالم العربي وتحديداً في مصر، خلال تقاطعه مع أحداث غيَّرت مسار الحياة آنذاك، حيث يقوم الممثل النجم «عمر الشريف» بسرد حكايته بلسان الراوي دون الظهور حتى النصف الثاني من الفيلم، ليُقدِّم لنا ثلاثة أيام تُمثِّل مراحل تاريخية، وهي اليوم الأول في مدينة بورسعيد عام 1948، أي بعد انتهاء حرب فلسطين، أو بعد وقوع «النكبة» الكبرى، والثاني في الإسكندرية 1973، أي أثناء حرب بين العرب وإسرائيل، والثالث في القاهرة في خريف 2001، أي بعد أحداث سبتمبر الشهيرة التي وقعت في نيويورك وواشنطن. سترافقنا شخصية رئيسة هي شخصية «حسن» التي يُجسِّدها «خالد النبوي» في مرحلة الشباب، ثم «عمر الشريف» في مرحلة الشيخوخة، و«حسن» رجل مصري كما أردفنا يعمل في مصلحة البريد في اليوم الأول من عمله في بورسعيد يجد نفسه منساقا للبحث عن امرأة تدعى «نورا» لكي يسلمها تلغرافاً من خطيبها الذي تنتظره لكي يتزوجها في تلك الليلة تحديداً، لكن «حسن» يقرر إلا يسلمها ذاك (التلغراف) بل يجد نفسه منجذباً إليها، وتنجذب هي أيضاً إليه على نحو ما.
يحاول الفيلم من خلال السيناريو تأسيس شهادة سينمائية على العصر، لكنه لا يدخل بالمتغيرات السياسية التي تؤثر على المنحى النفسي عند الناس بشكلٍ دقيقٍ، بقدر ما يطرح سطحيات قصص «حسن» أيام طيشه وما وصل إليه من نتائج اجتماعية عامة عندما كبر، وكأننا هنا أمام فوتوكوبي عن فيلم (تيتانيك1997) لأن ما يُمثِّله الجزء الأول من المرحلة التاريخية تلك، أي 1948 هي لقاء صدفة بين «حسن» والفتاة الأرمينية «نورا» التي تُجسِّد دورها «سيرين عبد النور»، ليرقصا معاً بوصفه خطيبها صاحب التلغراف من ثمَّ يخلدا إلى غرفة النوم، تدور الأحداث ليصيب السفينة حريق هائل ينجو منه القليل من ركاب السفينة كما في تيتانيك تماماً، ثمَّ تأتي المرحلة الثانية 1973 يلتقي «حسن» وهو لا يزال هنا يمثل دوره «خالد النبوي»، لكنه أشيب قليلاً ومعالم الكبر تبدو بارزة عليه ليقول للفتاة التي تسأل عنه أنه يعرفها وكأنها تشبه «نورا» صورة من الماضي، عندها تقول له الفتاة أن أمها أنجبتهما هي وأخيها الذي قضى منذ فترة، وتوفيت لكنها لا تعرف أحداً هنا من ركاب تلك السفينة إلا هو وقد تعبت في البحث عنه، تروي له القصة وهكذا.. كفيلم هندي يدفع الأب الثمن برعاية ابنته مستذكراً صور الماضي أيام شبابه مع أمها وقد أنجب منها دون زواج رسمي…
صيغة الفيلم في العموم تبدو مألوفة وكلاسيكية، وتطوُّراته لا تلمس جوهراً مختلفاً للحكاية المقترحة بقدر ما توغل في الحركات والانفعالات الفكاهية التي يبديها النجم الكبير «عمر الشريف» وهو يؤدي دور «حسن» في الشيخوخة ليصادف مرة أخر ويلتقي بحفيده، ابنته، أنها الصدفة كل ما يحكم خط عمل الفيلم ونمو أحداثه الدرامية، لكن رصد المرحلة التاريخية يبدو غائماً، والعبور إلى فكرة جديدة اتَّضح عقمه بقوة عندما أصبحت الإطالة في قص الحكاية متعدِّية مجال الفنية الحكائية، رغم أننا وصلنا إلى المرحلة التاريخية 2001 تلك، لكن خط عمل الفيلم الفني بقي محافظاً على ركوده.
لا يمكننا أن نخفي مدى الحسّ الفكاهي الذي أمتعنا أثناء مشاهد الفيلم، لكننا لم نحصل على جملة سينمائية عربية مختلفة ثقافياً من حيث السيناريو وتفكيك الشخصيات وتخطي مرحلة الفيلم التلفزيوني أو ما يشبه الفيلم البسيط، لأن القدرة الصورية التي عزَّزتها إدارة الكاميرا حملت نجاح الفيلم بصرياً، لكنها لم تخدمه سينمائياً، أي لم تمنحه هوية الخصوصية السينمائية فيما يمكننا حضوره على (DVD) بلا أي اختلاف يذكر، لا نعرف! أهو تزكية لوزارة الثقافة المصرية على دعمها لإنتاج الفيلم بوصفهم قدموا بطاقات شكر وتهليل للإنتاج العام في مصر قبل عرض الفيلم بدقائق؟
دخلت عبارات الحوار المكتوب والمرئي في الفيلم منطقة الابتذال والارتجال السينمائي ليقع على عاتق النجم الكبير «عمر الشريف» رفع رصيد نجاح الفيلم وجماهيريته على حساب أخطائه المتعددة، وعليه يمكننا القول إنَّ الشعبية والجماهيرية لا تصنع ثقافة سينمائية ما لم تدعم رؤيتها بمخزون فكري يراهن عليه، الجماهير في سينما الشام بدمشق لم تعبأ كثيراً بالنجوم التي حضرت من مخرج الفيلم وكاتبه المصري «أحمد ماهر»، وحتى النجمة «سيرين عبد النور» والممثل الشاب «شريف رمزي» الذي يلعب دور الحفيد في حكاية أخرى من الفيلم، لا تلمس القصة الأساسية لمتاعب المسافر إلا باسترجاع نزعة الشباب وحيوية النشاط العملي في الحياة، كان همُّ الجماهير مشاهدة فيلم مميَّز بفكرته.. هكذا نستنتج أن تفسُّخات القصص المحشوة ضمن الفيلم لم تُقدِّم إلا الموجود والرائج في السينما المصرية، نحن لا نطالب بفتح سينمائي عربي لكننا نطالب بالخروج من دائرة المكرور والمنحول في الرصد السينمائي للرؤية الحياتية المتحضرة في تلك البلاد.
فيلم (المسافر) المشارك بمهرجان دمشق السينمائي لم يكن رهاناً ملائماً على التميُّز المرجو، فهو مثله مثل أي عرض عابر للتسلية ينقصه الدعم الفني في النص وبناء الفكرة لأن الجمهور ليسوا جماعة معتوهين بحاجة لبعض اللقطات الساخنة وحسب..!
الفيلم المصري المسافر.. حكايات الماضي الصعبة بخلطة الفكاهة
0
