غراب الأوبرا يحطُّ على مسرح الحمراء

جريدة شرفات الشام
العدد 46
عمر الشيخ
مسرح

غراب الأوبرا
غراب الأوبرا

لم يمضِ عام الثقافة الدمشقية حتى شرّعت احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 أبوابها بعرضًٍ مسرحيّ على خشبة الحمراء حمل عنوان (غراب الأوبرا)، وذلك بحضور متعدد الفئات العُمْريّة بين أطفال مع أهلهم وشباب وبعض الصحفيين من ذقاقة المسرح والمتابعة بشغف لكل جديد.
لقد تَبنَّت مجموعة من الشباب الموهوبين، صيغة ناضجة لبناء هذه المسرحية ، فيها من البهرجة الشيء المقبول، ولها من خفّة الظل ما يقدمها عملاً يليق بشريحة ناضجة قليلاً من الأطفال لما تحمله من معطيات إنسانية تعتمد الصورة الدرامية الخيالية لحوارات بين الطيور التي تبحث عن الموسيقا بطريقتها، حيث يبدأ العرض باكتشاف مجموعة من الغربان أحد أفرادها مولع بالموسيقا، تأتي زعيمة المجموعة مستهجنة ً رغبة الغراب المعروف كنذير شؤم كيف له أن يصبح محباً متعاوناً يحلم بالموسيقا والغناء الأوبرالي، فتطرده إلى قرية العصافير التي تمتهن التغريد والمرح،فعند ترك الغراب لقريته وتوجُّهُهِ نحو أحلامه في قرية العصافير يعرض لنا المشهد الثاني الطقوس التي تعيشها مجموعة العصافير بمكاشفة أقرب إلى الحالة الإنسانية التي تقوم بتشخيصها الطبيعة البشرية بالإيماءات والسيناريو الحركي،حيث أن هذا التزاوج بين بيئة العصافير و تصرفاتها على أنها ناس عاديين هكذا يتم إسقاط حالتهم على الواقع، ربما هي حالة تفسيرية كي تقترب من الارتجال المسرحي لكسب ثقة الطفل ومن معه، ولكن دخول الغراب الموسيقي يُغيِّر حالة العصافير ويُعرِّي حالتهم النفسية من المغرور إلى المسالم والذكي والمحب كطبائع تُسهّل أطروحة غرام الغراب باختراقه لعالم يختلف عن العالم الذي نسبته الدنيا إليه، يتعلَّم الغراب الغناء ويصبح موسيقاراً موهوباً ينقل إلى وطنه قرية الغربان هواجس الحبّ والألحان لتنقية ذهنهم من النعيق والمكر وأذى الآخرين .
إذاً نص (شادي دويعر) مؤلف المسرحيّة يبدو مقبولاً كعمل للأطفال،بقدرات إخراجية لا بأس بها، غير أنه كان بالإمكان الاشتغال للوصول إلى حالة بصرية على الأقل أكثر حداثة من تقاليد مسرح العرائس العتيقة و لا نستطيع أن نقول إنه مجرد عمل عابر للأطفال ليس إلاّ،لأن هذه الشريحة هي من يؤسس لذاكرة مسرحية تليق بناشِئين جدد لهم مستقبل في الرؤيا، ربّما لا نعرف!
لكن (غراب الأوبرا) بتوقيع المخرج(مازن العباس) مسرحيّة محط تناول نقدي، تستحق المحاكاة والتفكيك في خطوة ما تفيد مشروع الشباب المسرحيّ فيما يخص مسرح الطفل بوجه خاص.
الإضاءة كان لها جانب مهم ومؤثّر على تفكير الطفل في تناوب النهار والليل،ما يجعله يشعر إلى حدٍّ أن ما يُشاهدهُ هو فعلاً حالة خياليّة يمكن أن تقترب من أحلامه،ولكنّ الدّيكور الفقير أفقد المسرحيّة الكثير من المعاني المرجوة، لأنّه لا يمثل مشهداً متكاملاً لو قليلاً عن الغابة مثلاً أو منصة تناسب أوبرا من أشجار وطيور وشمس وغيوم هي مسخ مدرسي بحت،لأن الطفل ليس لديه القدرة الكبيرة في كشف مفردات المسرح المعقّدة وخطابته الملغومة نظراً لضعف إمكانيات الموهبة وإغفال حالة الإقناع البصري،رغم بساطة التناول المطروح ورؤية الشباب لمفرداتهم التي اختاروها نصاً وتمثيلاً ليوصلوا رسالتهم إلى الأطفال،رغم أن المصاريف مفتوحة وهي برسم مسرح الطفل ومديرية المسارح،ويجب أن تكون مرهونة بطريقة أكثر تناسباً لتقديم مسرحيّة في العقد الأول من الألفية الجديدة بأسلوب أكثر عصريّة وجديّة من أجل نجاح مشروع الشباب بالنهوض الذي نتمناه جميعا.ً
(غراب الأوبرا ) هذا العنوان الجميل لمسرحيّة لم تلتزم بمدى عمق وخطورة مثل هذه الفكرة،قدّمت إمكانيتها البسيطة للغاية في مقاربة رغبة الموسيقا من عالم بعيد كثيراً عن الموسيقا ولكنها استطاعت بطريقة أو بأخرى منحنا جرعة من الفكاهة والنكتة تعتمد أكثر ما يمكن على الارتجال المسرحي والخروج عن النص كونه نص بسيط يلعب على فكرة الكرتون المتحرك كمثال قريب، غير أن الأزياء المستخدمة اتسمت بالابتعاد كثيراً عن تجسيد صورة قريبة للغراب أو للعصفور .
كشف الكواليس أثناء الانتقال من مشهد لآخر أصبح كما لو أنّه حالة تمثيليّة صرف، لم تنعش رؤيتنا في احتضان المسرح لجغرافيا هذه الفكرة الممتعة كما كنّا نتوقع بلمسات شبابيّة موهوبة، ربّما هي قراءة معيّنة تخصّ شريحة الأطفال وهي في رهان أمام ذائقة مسرح الطفل بوجه خاص.
المسرحيّة رؤية فنيّة بحاجة لبعض الوقت لتنضج إخراجيّاً، فالعمل فاقد للخبرات النخبوية، لو أنّهم استعانوا بقُدرة معروفة محلياً على الأقل لغربلة الصوت الجديد وإطلاقه بوصفه نشاطاً أولاً ضمن احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية (2009) وهو هدية لأطفال غزة كما وقّع عليه المخرج،ولكن ألا يجب علينا أولاً الاعتناء بمضمون الهدية التي تستحق مجهوداً أكبر وكمية حبّ تفوق الفكاهة التي سجلت لصالح هذا العمل ؟!! .

أضف تعليق