رواية الخالة تولا : إغواء الأمومة والعذرية

صحيفة الثورة
الأربعاء 4-2-2009م
عمر الشّيخ

الخالة تولا
الخالة تولا

الطهارة في شموليتها العميقة كانت تتسم عند الحياة التي قررت (خيرتروديس)أو (تولا) أن تحكم مصيرها بها ، فما شاءت من إغواء الدنيا سوى أن ترضي الرب ،مقتحمة ً تلك الشهوات المحترقة في داخلها، وجاعلةً من أصيص نورها الروحاني فرجة لذاك البيت الذي أسسته كما رغبت هي كلاعب شطرنج ماهر، ولكن إنسانيته تتفوق على خبرتها ولغوها، البيت الواسع بكل تفاصيله حيث تقطن أختها الصغيرة (روسا) مع زوجها (راميرو)، وتدور تفاصيل يومياتهم على بنيان النظافة الروحية التي تفرضها (تولا) بوصفها أمّاً روحية للجميع ,،بعد وفاة خالها الراهب الذي كان يعتني بها وبأختها (روسا)، تأثرت (تولا ) بطقوس دينية بشكل كبير إلى درجة لا يمكن أن تشاهد أي خلل في حياة أختها التي تشاركها بها .‏
فما كان من الموت إلا أن يمر كل مرة وأخرى ليخطف أختها بعد أن أنجبت ثلاثة أبناء،وتكلفت (تولا) العناية بهم وبأبيهم ولكن من دون أن تتزوجه ، حيث تصرّ على تنشئة جيل يحب السعادة وينشرها بين الناس بكل طهارة ونورانية .‏
تولا حافظت حتى مماتها على عذريتها رغم أن الموت كان رفيقاً لأشد لحظات حياتها حساسية، فقدت زوج أختها بعد أن تزوج ثانية لفرط حاجته بأنثى ترعاه فكانت (مانويلا) الزوجة الثانية التي كانت تعمل كخادمة في المنزل وهي يتيمة ملجأ كما وصفها الكاتب (أضال كمية امرأة ممكنة)،لكن طيبة قلب( تولا) جعلت منها واحدة من أفراد العائلة،وبحملها لمولودين أثنين من (راميرو) أدخلت إلى حياة (تولا) أطفالاً جدد أي أصبحت ترعى خمسة أولاد، ثم لترحل (مانويلا الخادمة ) حزينة بمرض الالتهاب الرئوي الذي سيقتل الكبار كلهم لاحقاً الأخت الصغيرة روسا و زوجها والآن مانويلا ، هكذا تعيش( تولا) مربية لتصبح (الخالة تولا ) الأم الروحانية والمربية العظيمة التي شهدت يوميات تطفح بالمخاطر والانحلال الخلقي ومشكلات المنافسة على الظهور بحسب الرغبات المكبوتة، ولكن بفضل تلك الروح المقدسة تستطيع بنجاحها أن تفرض رغم تعسفها نظام حياة دقيق ونظيف بحساسية دينية متزمتة كثيراً، ترتكز على إرضاء الرب، و الحفاظ على بيئة الروح نقية من الملطخين بلعنات الحياة وأنانيتها الفجة .‏
بهذا التشويق المدهش تمتد رواية ( الخالة تولا) للروائي الاسباني :( ميغل دي أونامونو) بترجمة الأديب صالح علماني، ،فارداً تلك الحبكة الروائية الطازجة والسلسة بلغة خالية تماماً من الأخطاء البنيوية، التي تعتمد على إدارة حوارات في أكثر أجوائها ، ببساطة حرفية عالية ،وبتوصيف له صدى لاذع في عمق الروح لأبرز شخصيات الرواية، متناولاً المرأة كقضية رئيسية ،ومظهراً أكثر الجوانب الإنسانية فيها التي قد يغفلها الكثير ممن حولها كالحنان الذي لا يتوقف والحب بكل عذريته الفائقة .‏
وفي مقدمة المترجم يذكر أبرز عناصر الرواية التي تميزها بشكل واضح ومرتب بأحداث مختصرة تشدّ المتلقي بكل هواجسه :( مأساة تولا تستند على الجسر الواصل بين ضفتين ،الأمومة والعذرية،في سياق الحياة الفيضاني المندفع،يصف أنامونو تولا كأنها بركان على وشك الانفجار ،طنجرة ضغط جنسي غير مشبع ومتلهف ، يهدأ بدفقات بخار روحانية مؤكدة ،أجل ولكن بتحويل مفاجئ ومتسامٍ للرغبات الجسدية المشتهاة ) .‏
إذاً بذاك الكلام الشهي عن فاتحة الرواية يقدم لنا المترجم الرائع صالح علماني ، تجربة روائية ضخمة ومهمة ومحط نقلة كبيرة لدى القارئ العربي، وله في ذلك صدى غاية في المتعة والمكاشفة القريبة من الحياة.‏
هذه الرواية عمل متقن ، يحمل في أجوائه الكثير من الأسرار والدهشة المباشرة في عرض أحداث مفاجئة ،لذا نحن في صدد عرض عمل أدبي يستحق القراءة ، وبقربه من توجساتنا الدائمة بالأدب الاسباني بتلك اللغة ذات التعابير السلسة وتكنيك الأحداث بأقل اقتصاد لغوي ممكن، بعيداً عن الإسهاب في الكلام الفلسفي الثقيل ، يعدّ هذا العمل من الكتابات ذات النفس الواحد والجلسة الواحدة ، وأنا في تأكدي من ذائقتكم الخصبة، أتمنى أن تقرؤوا رواية ( الخالة تولا) لـ( ميغل دي أنامومو ) بترجمة صالح علماني، الصادرة عن دار المدى 2009 ، ثمّة أسرار لا يمكن البوح بها هنا ، لذا الرواية سيدة اللذة المنتظرة التي يجب أن نقتنيها و نتابعها بنهم رفيع .‏

أضف تعليق