طقوس تركية في قصور مخملية تسرد حكاية حب

جريدة الثورة
الأربعاء 18-2-2009م
عمر الشيخ

عروس بلا طرحة
عروس بلا طرحة

ما يطبع مناخ ضميرالمتكلم«الراوي» في (عروس بلا طرحة)،الاعتماد الصارم على التوثيق التاريخي الدقيق لحقبة انتقال الحكم التركي من أيدي العثمانيين في أواخر القرن التاسع عشر حتى وصوله النظام الجمهوري في عشرينيات القرن الماضي،النصف الأول من هذه الرواية يبتلع السطور في سرد نشأة القائد (مصطفى كمال باشا) الذي كافح في سبيل الدفاع عن مبادئ حرية شعبه،وتخليصه من جهل الحكم العثماني، بتخطيط عادل ومقاربات سياسية ذكية،تعتمد على الإخلاص لأصدقائه ومنح الثقة لمن هو أهل لها وأخذ مشورة ذوي النظرة البعيدة، خائضاً غمار معارك ضارية وتجارب حياتية مليئة بالمغامرة ومشحونة بتلك الطقوس التركية لمجتمع مخملي يتأهب لفجر حكم جديد .
ترصد الرواية مرحلة حساسة ومهمة في حياة الشعب التركي، بدايةً مع أسماء المدن التي تحركت نحو التغيير مروراً بالتبدلات السلطوية التي أصابت الباب العالي في تلك الفترة، وصولاً إلى أسماء الشخصيات وأهم الإنجازات التي ساهموا بها لنشر الفكر الجديد والأكثر اتساعاً لأفق التطوير على صعيد العادات والحياة السياسية والارتقاء الاجتماعي.‏
وخلال هذه الأحداث يصل القائد (مصطفى كمال باشا) إلى ثقة الشعب،بأن يحكم بينهم بالمساواة، ويحفظ كرامته،ويخرج المستعمر الأجنبي من أرضه، وبين هنا وهناك حيث مكان إقامة هذا القائد وانتقاله من مدينة إلى أخرى ليعمّ فيها الأمن، كان يقطن في كل فترة بقصرٍ ما،داخل الأراضي التركية، فنتعرف معه على ميزات الحياة هناك في أكثر المدن المشهورة مثل أنقرة واسطنبول والأناضول وساليونيك، والكثير من التفاصيل الغارقة بانسيابيتها على وقع القارئ، كتوصيف حالة التوتر إبان انتقال الحكم من نظام إلى آخر، وشرح الحالات النفسية للسكان الموالين لفكرة التغيير،والآخرين الخائفين من التجديد بلغة بالغة التماس والأقرب إلى الميلودراما، وبينما يتنقل (مصطفى كمال باشا) بين قصوره بعد أن ثبت مكاناً له في حكم البلاد، كقائد مطلق،وحاكم عادل،يقترح عليه صهره أن يعرّفه على فتاة تقوم بشؤون القصر وترعاه وتلبي حاجيته من طعام وتنظيم اجتماعات وحياة قصر جمهوري يؤسس لدولة قادة بنهوض حضاري،فتكون بطلة الرواية (فكرية) البنت الناصعة البياض روحياً،والأكثر إشعاعاً بالحب الذي تحمله للآخرين، تنشط القصر وتزيده سعادة وتغير حياة الجهاز الحاكم في الدولة فقط لرقة ما تحمله من استيعاب وحلول حياتية فائقة الدهاء، فتنشأ علاقة حب بين القائد(كمال باشا) وتلك الفتاة (فكرية)، ما يؤجج قلبيهما نحو الغرام بإغواء مؤكد ينسجه الراوي بميزة الأدب التركي القادمة بطبائعها وأجوائها الخاصة،وبحكم منصب( كمال باشا) كقائد دولة،سيضطر للتنقل وترك المكان لينتقل إلى مدينة أخرى كما أردفنا سابقاً ليعطي لأهلها الأمان، ويطمئنهم أن البلاد نحو فجرٍ جديد،فيترك (فكرية) العاشقة النظيفة، الشابة التي تحلم به وتحب ذكاءه وشخصيته وطريقة حياته المليئة بالمغامرات الطموح الصارخ، فتتزوجه بالسرّ بلا صوت،ويرحل إلى مدينة أخرى يتعرف على فتاة من طبقة مخملية للغاية، هنا يتذكر وصية أمّه أن عليه الزواج من هذه الأشكال من النساء، فتاة بنت عائلة غنية ومرموقة في الوسط الاجتماعي، فيفاجأ بعد زواجه أن(لطيفة)بنت العائلة الغنية ،التي أحبته لمنصبه فقط،لها شخصية سلطوية حادة بعكس (فكرية) العاشقة المظلومة،ندم على ذلك، بعد أن أبعد(فكرية) ليعالجها خارج البلاد بحجة السل كي لا تعرف بأمر زواجه.‏
تدور أحداث الرواية بمتعة لا حدود لها، بين الصراع الطبقي في سبيل الحفاظ على اسم العائلة ضمن الجذور الفارهة و المباهاة الفضفاضة ،والابتعاد عن البسطاء قدر الامكان أو إلغائهم أحياناً !!‏
لذا ستكون فكرية عروس بلا طرحة وحيدة تحترق بحبها لذاك القائد المشغول بتحقيق أحلام شعبه وطموحاته،بعد أن وقع في مصيدة امرأة قاسية لا تعرف الرحمة مثل (لطيفة خانم)، وهو طبقاً لذلك وراء كل رجل عظيم امرأة، ولكن هذا الرجل كان عظيماً بإنجازاته على مستوى البلاد،لا على مستوى عواطفه..!
إن سرديات النصوص المجزّأة على شكل مقاطع بعناوين عريضة، جعل من الرواية أقرب إلى الحكاية التاريخية، الموثقة أصولاً بتقويم تلك الأمة التركية، وحضور شخصيات من المجتمع التركي بكركتراتها المعهودة وبتحليلاتهم النفسية لواقع تلك الحقبة، أعطى من الخصوصية ما تستحق كرواية تتجلى فيها تضحيات الحبّ، في مكان حساس قد لا يتوقع أحد أن يحدث فيه مثل تلك القصص الغريبة، فكاتب هذا العمل (خليل ابراهيم أوزخان) يعتمد في لغته الجمل البسيطة،كمادة ثانوية لبناء الرواية، أما اعتماده الأساسي فهو على ذاك المكان المعتم الذي تعبق فيه الكثير من الأسئلة الصعبة!‏
هل ثمّة لتلك العروس الوحيدة طرحة تليق بمثاليتها الباهرة والبعيدة عن المخمليين؟‏
هل سيعلن سيدها الباشا الحبيب عن زواجه بها على الملأ؟
هل ما زال يفضل أن يحقق وصية أمه أن يتزوج فتاة من عائلة غنية؟‏
إن ما آلت إليه حياة القائد (مصطفى كمال باشا) في هذا العمل،تفسّر لنا أنّ معظم رجال الدولة في تلك الآونة لم يكونوا ليحبوا بإخلاص تام كـ (فكرية)، لو كانوا عشاقاً لتراب الوطن، لن يساووا جزءاً من احتراقات الأنثى عندما تحبّ وتنسى المناصب و مسرّات الحياة وتذهب قلبها إلى الجحيم لأجل الحبّ.‏

الرواية: عروس بلا طرحة – الكاتب :خليل ابراهيم أوزجان‏
الترجمة : عبد القادر عبداللي – الناشر : دار التكوين – دمشق 2009‏

أضف تعليق