أنطولوجيا الشعر السوري في جزئها الثالث: انعطافة السبعينات… وذاكرة مخلصة

جريدة الثورة
الأربعاء 22-4-2009
عمر الشيخ

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

إن تصور رصد مرحلة حساسة في الشعر السوري كالسبعينات هو مجازفة كبرى، إلا أن الشاعر « منذر مصري « قد حقق أكبر إنصاف ممكن وإخلاص لأهمّ تلك الإنجازات،
خلال مقدمة مطولة يتحدث فيها عن نشوء انعطافة الشعر السوري في قصيدة النثر، وبوصفه اسماً مفصلياً في تلك الآونة يفرد في هذه الأنطولوجيا مجهوداً واضحاً خلال تقديمه لكل شاعر حسب ترتيب المواليد، جامعاً كل المعلومات الممكنة عن شعراء تلك الفترة بكل دقة وموضوعة، حيث ستجد أن هنالك شعراء لم ينشروا أي مجموعة شعرية لكنهم كانوا حاضرين بالمشهد الشعري بقوة وتأثير واضح، إلا أنّ سيرتهم المختصرة تفتح عند المتلقي حافز البحث والتقصي عن شعر كل شاعر اختير، ببساطة لأن هذا العمل مشغول من دافع حبّ و تفاني لذاك الجيل المؤثر في الشعر السوري .‏
في مقدمة «منذر مصري » لهذه الأنطولوجيا(الجزء الثالث- انعطافة السبعينات) فاتحة موضوعية ومنطقية تعرّف القارئ بمدى أهمية هذا العمل، وتكوينه الأدبي الدقيق، لأنه عبارة عن سيرة رحلة لشعراء مختلفين، مليئة بالمتغيرات المحيطة السياسية والنفسية، التي عايشها جيل السبعينات، فما كان انتقاء» منذر مصري» لهذه المهمة سوى ضرورة ملحة كان المفروض الاعتبار بها على منوال إعداد باقي أجزاء الأنطولوجيا، لأن ما تحمله من توصيف وحقائق مصاغة بنبرة لغوية ممتعة في تقديم نشأة هذا الجيل وما قبله وما بعده على صعيد التأثير في تجارب الآخرين، هو عبارة عن رؤية واضحة برسم الضمير الشعري.‏
إن وضع اسم الشاعر الراحل (حامد بدرخان ) في مقدمة تلك الأسماء هو عمل ذكي، لأن(بدرخان) كان مقلاً في إصداراته لكنه كان أيضاً يصحح قصائد (رياض الصالح الحسين) الذي صار صوتاً مميزاً فيما بعد، لذا هو مدرسة مستقلة وخاصة قدمت الكثير للشعر .‏
(حامد بدرخان) الذي يكتب الشعر بكل حقيقته وبلا مجملات، كان يعش حياته شعراً ويطبّق هواجس روحه على لغةٍ مميزة، أيضاً الشاعرة الراحلة (دعد حداد) الجميلة النائمة، ذات اللغة النزقة المجنونة التي تستفز العاطفة وتسخن الأنفاس.‏
هكذا تنقلنا انعطافة السبعينات في عالم واسع من الذكريات والشعر، بوصف معظم أولئك الشعراء محتكين مع«منذر مصري» وهو شاهد عيان على حضورهم وتجاربهم،و تدوينه لأهم معطيات تحولية صادفت ذاك الجيل، هو بالمحصلة توثيق بسيط ليس أرشيفاً شاملاً، صورة لأهم التجارب المؤثرة حتى الآن أمثال الشعراء الرائعين ( « بندر عبد الحميد» و«عائشة أرناؤوط« و»سليم بركات» و«نزيه أبو عفش»)، وتطول القائمة بخفايا لم نعرفها نحن جيل الألفية الثالثة عن أصغر التفاصيل التي سببت تلك الانعطافة.‏
يحاول « منذر مصري» في إعداد (انعطافة السبعينات) تكوين تحليل تفصيلي لقصيدة النثر التي عاشت في تلك المرحلة بعصرها الذهبي، وكانت أكثر وضوحاً من الآن، حيث التعابير اليومية والكلام العابر يمكن أن يتحول شعراً دون أن يفقد خصوصيته اللغوية في سبكه خلال القصيدة،مع شعراء شباب ماتوا باكراً بسبب جنونهم الشعري في الحياة من هؤلاء يذكر «منذر» الشعراء الراحلين : ( محمد سيدة – رياض الصالح الحسين – دعد حداد).‏
أعتقد أن هذه الانعطافة هي أكثر جزء منصف بحق الشعر،لأسباب أبرزها أن معدها شاعر عايش تلك المرحلة ونشأ فيها، وأن العمل المبذول مشغول بمودة فقط لأجل الشعر وإخلاصاً للحظة الذكرى، هذه اللحظة التي أثرت اليوم بجيل كامل راح يعيد تجربة السبعينات اليوم من خلال حشر مفردات العولمة !! باختصار (انعطافة السبعينات) هي الامتداد الأول لقصيدة النثر الذي توارثته الأجيال المتعاقبة. بين يدينا تأريخ وكتاب شعري يعتبره «منذر مصري» من كتبهِ التي يحبها ويقدمها بكل مودة كالعادة لمحبي الشعر وعشاقه، وللشعراء القادمين، والذين لم يجدوا أسماءهم في هذه الأنطولوجيا.‏
هي ذي الانعطافة تفسير جاد عن المقترحات الجمالية التي صارت اليوم نافذة يرتكز عليها شعراء قصيدة النثر الحداثيين، هي ذي الانعطافة تقف عاريةً حقيقية بشعرائها الرائعين الذين حولوا كل شيء إلى شعر، هل يستطيع جيل ما إعادة الكرّة بخصوصية مختلفة، قد لا أظن لأن التكنولوجيا حلت الآن بصور الديجتال مكان الصورة الشعرية، صارت اللعبة أخطر والشعر أصعب!! أين من انعطافة مثل هذه الأنطولوجيا وشعراء مهمين كالذين تقدمهم ..!‏
الكتاب: انعطافة السبعينات – انطولوجيا الشعر السوري – أعدّها وقدمها : منذر مصري – الناشر : احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008‏

أضف تعليق