دراما الكوميدية الخجولة شيء من الشر والبساطة النجم فايز قزق في «باب الحارة 5» نموذجاً إذا أردنا مشاهدة فيرناندو بيسوا ضاحكاً..

عمر الشيخ
النهضة

قزق متدياً القبعة في باب الحارة 5 مع
قزق متدياً القبعة في باب الحارة 5 مع

جزء بعد الآخر ومسلسل باب الحارة يطور جيناته الوراثية ويلقح مخيلة كاتبه لينتخب أحداثاً وشخصيات جديدة، متدخلاً بإلغاء الواقعية التاريخية التي ترتبط بالأرضية الفنية لقيام عمل مثل هذا، ونافياً ضرورة وجود جذور من نوع ما تتعلق بقصة شخوصه المبتكرة والغريبة..
مجدداً في الجزء الخامس ظهرت للمشاهدين شخصية أسطورية تلبس زي الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، إنه مأمون بك.. الذي يقوم بدوره الفنان (فايز قزق) هذا الرجل الذي يعمل كمختار للحارة بعد أن اغتالت يد الغدر الزعيم (عبد الرحمن آله رشي) جاء مأمون خليفةً له بحبكة درامية معقدة، حيث يعمل هذا (المأمون) ضابطاً في القوات الفرنسية فيصبح اسمه (الملازم نمر) يا ترى أي نوع من (العواينية) تلك التي اجتاحت باب الحارة؟ فمأمون بك عميل سري مزدوج للفرنسيين من جانب، ويحكم ويشير بين أهل حارة الضبع من جانب آخر، وهو يلبس قبعة شمسية أنيقة ومعطفاً رمادياً طويلاً، مسدلاً عين مستمرة الإغماض ومركزاً بالأخرى باتساع واضح من خلف زجاج نظارة مدورة العدسات تدل على نباهة شديدة ورؤية شريرة ثاقبة وذكية سوف تغير مسار الحارة المريخية..
مأمون بك أو نمر، وجهان لعملة واحدة، برعت في تقمص شخصية الشر الكتومة التي تتمتع بالسطوة والجاه والسمعة الحسنة، وتتغلغل في الناس البسطاء لتنفيذ مبتغيات الاحتلال الفرنسي إلى جانب الاحتلال الذاتي الذي يسعى له، وذلك بتبييض وجهه عند المندوب السامي وهو يقوم بشراء بيت تلو الآخر من أهل حارة الضبع، يدفع الكثير ويقدم الوعود ويتعامل مع الجميع بحيادية حذرة تدل على بطانة كوميدية ساخرة، تستحضره لنا كأنه يقف على خشبة المسرح ويقدم دوراً كوميدياً ما من قاموسه الغني بالضحك.
هاهو (قزق) من جديد يجبره الشرط المالي على التنازل للعمل مثله مثل أي محتاج للمال من الصف الثالث أو الرابع من ممثلي الدراما لتقديم القربان والطاعة للمال الخارجي، حتى لو كان ذلك على حساب نوعية الثقافة التي تسعى لتقديمه كهوية بصرية عن الوطن..! إلا أنه نجح في صنع شخصية كوميدية فرحة تلبس صورة الشاعر الشرس النقيض لمخيلتنا عن الراحل البرتغالي الكبير (بيسوا) شاعر من نوع آخر، شاعر ضابط يكتب قصائده عبر عملاء سريين والمفارقة أنه صادق مع نفسه ونواياه واضحة تجاه الدراما، فهو لا يعرف الضعف، عيناه المضحكتان تثيران البسمة على وجوه المشاهدين، وخططه الملعونة تعبّر عن كوميدية باب الحارة الخجولة، ولكن هل لاحظها أحد..؟
الضحك شامياً..!
أظن أن معظم مشاهد العنترية والصوت العالي والثياب التراثية تليق تماماً بصناعة كوميدية جديدة، خصوصاً أن البيئة عموماً والبيئة الشامية خصوصاً قد تنجب أفكاراً للكوميديا لا تعد ولا تحصى، أسوة بمسلسل ضيعة ضايعة، يمكننا هنا في حارة الضبع الاستفادة من ضجيج (معتز) بصناعة كركتر على هيئة (بوبو) يزعبر ويهز رأسه وعينيه تكادان تنفجران من «التفتيح» لكي نشعر أننا نشاهد (عكيداً) من عام 2010 يرفض أن تجري معه أي وسيلة إعلامية لقاءً حتى لا توجه له أسئلة محرجة لا يمكنه الإجابة عنها بغياب (الزعيم) وفي باب الحارة، و(عزو) لا يستطيع أن يغازل ابنة عمه لأنه ليس عاطفياً! ثم إنه سوف يصبح عكيداً بعد أن يوقع بمأمون بك وقاتل خاله المأسوف على شبابه (أبو شهاب) الذي خلّف (جانتي) وانتقل إلى عام 2010. كما يمكننا الاستفادة من (أبو بدر) الذي يجسد دوره محمد خير الجراح، صاحب سنيّ الأرنب المضحك، الذي يردح و(يولول) أكثر من المرأة الحامل..! تفاجئه الأحداث القاسية بين الفرنسيين وثوار حارة الضبع فيهرب إلى وراء زوجته (القوية) مؤدياً دوراً ممتعاً يسخر من الجبناء آنذاك، لولا ارتباطه قليلاً بمياعة شامية من عام 2010 لكان اسمه (ميمي) أو (سوسو) ولكن بسام الملا أصر أن يحافظ على المنظومة التاريخية والتقاليد، والمفارقة هنا أنه يسلخ دائماً كل هذا الالتصاق التاريخي لأحداث باب الحارة المفتعلة ببعض مشاهد حقيقية من التاريخ، فالمندوب السامي والغوطة والثوار ليسوا من المريخ، لماذا رفض أن يتعامل مع نص أنضج وأكثر موضوعية يحكي عن بعض قصص دمشق بإقناع أكبر..؟
مأمون بك ضحك على الجميع وقام بأداء دور كوميدي شامي شاعري مبطن بما تفقده الدراما السورية من كوميديا الموقف، على قدر ما ترتبط بعض أحداث باب الحارة ونموها السوريالي بطقوس راهنة من هذا الزمن، على قدر ما يثبت لنا مأمون بك أهمية استثمار دراما البيئة ضمن قالب كوميدي ذكي، فنحن نعرف تماماً من الكتب والروايات والتوثيق التاريخي كيف كان بعض أهل الشام أيام زمان يعيشون، إلا أننا لم نكن نعرف كيف يخلق الضحك ضمن تلك الأجواء الصعبة من احتلال وثوار وعواينة وأبواب مغلقة وأفكار مجنونة تحيي العظام وهي رميم..!
الانفعالات..
تقوم شخصية مأمون بك على كتلة انفعالات ممزوجة بشرور ونوايا خفية تقنع أهل الحارة بأنه الرجل النبيل المثالي الخلوق، هنا نتلمس قدرته الكبيرة على حشد كل تلك الشمولية التمثيلية بأكثر من قالب، وتقمص الأحاسيس لخلق حالة مضحكة يحكمها فيض من الإنسانية والوضوح والمرارة..
ملامح الوجه المتسارعة.. التوبيخ الذي يطلقه على رجاله.. المواقف المحرجة التي تصدمه بأهل الحارة.. شرفه العسكري الذي يحميه عند الفرنسيين.. مأمون بك شكراً لانفعالاتك.. نراك في الجزء السادس العام القادم متألقاً بالكوميديا الحقيقية التي تشبهك بنقاء..

أضف تعليق