الهايكو.. فن العبارة الممتعة في ازدياد الترجمة و البحث عن الذائقة النخبوية رسم تفاصيل الطبيعية لغوياً لقول أشياء هادئة ومضحكة.. ترجمات عن اليابانية والفرنسية بين التصويب و العبث.. ما الذي يمكن قوله؟

النهضة 502
عمر الشيخ


النص الشعري في ثقافتنا السورية خصوصاً والعربية عموماً يخضع بشكل أو بآخر لقواعد راسخة في ذهن القارئ منذ أن تعلم على مقاعد الدراسة أن الشعر مجرد مجاز ووزن وقافية وموسيقا وإيقاع وتفعيلة.. وكل نص خارج هذه الأنماط يعتبر طعناً للتراث العربي الشعري، ولكن في قراءة ثقافة شعوب الأرض لا يمكن أن نطبق هذا المفهوم الجاف والجامد الذي يحبس المخيلة ضمن شكل ومنطق لغوي واحد، حتى فترة زمنية ليست بطويلة منذ حوالي نصف قرن بدأت تدخل إلى المكتبة العربية ترجمات عن لغات أجنبية مختلفة، ولعل كل ترجمة كانت تحمل بصمة مختلفة عن غيرها، فتنوعت الرؤيا وأصبح بالإمكان النهل من الترجمات للخروج من بيئة اللغة العربية التي قيدها الشعر التقليدي، وجعل منها منصاعة طواعية لأوامر الوزن والقافية، حتى لو كان البناء الفني والجمال بمنأى عنها لا يهم.. ولعل أبرز ما دخل إلى مكتبتنا الحديثة هو الترجمات عن الأدب الياباني وتحديداً عن فن “الهايكو” في كتابة النص الشعر القصير الذي يعتمد على اشتغال شديد بالصورة وعناية مميزة باللقطة السريعة والذكية.
وقصيدة النثر في سورية وفي العالم العربي ليست سهلة القراءة على أنها شعر من قبل أغلبية المثقفين لأن معاييرها حتى الآن غير ثابتة وغير واضحة الحدود، في قصيدة النثر لا نعرف أين يبدأ الشعر وأين ينتهي، في غالب الأحيان نقرأ سرداً أقرب إلى القصة الذاتية، وأحياناً أخرى تتقاطع قصيدة النثر بنيةً ورؤيةً ما عدا الإيقاع العروضي مع قصيدة التفعيلة، ولاسيما الملاحم الطويلة وهذا ما يجعلها مرتبكة مروحة في نفس المكان يشبه بعضها بعضاً لدى أغلبية ممثليها.
ولعله من المناسب هنا أن نبدأ بالكتاب الهام الذي صدر حول هذا الشأن وهو “كتاب الهايكو” الذي يتضمن ألف هايكو وهايكو ترجمها وقدم لها الشاعر السوري المقيم في اليابان محمد عُضيمة بمشاركة المستعرب كوتا- كاريا، قد لا يساهم هذا الكتاب كثيرا في قلب موازين الذائقة، إلا أن نخبويته الأدبية تضعنا أمام رهان حقيقي يترك أسئلته برسم المتلقي ونمط الثقافة الداخلية التي يبحث عنها عند شعوب أخرى قد لا تسمح له الفرصة بالتعايش معها.
ضمن مقدمة مطولة يضعنا عضيمة أمام سبب ترجمته لهذا الكم الكبير من روائع الهايكو متناولاً أبرز مفاهيم هذا الفن التي تصل لأكثر القراء بطريقة مغلوطة كأن تسمّى الهايكو قصيدة هايكو.. مع أن كلمة هايكو تقسم إلى قسمين: هاي: ومعناها المتعة والإمتاع، كو: معناها لفظة أو كلمة و عبارة، وهكذا لسنا مضطرين لأن ندعوها قصيدة هايكو، فتشكيلها كما هي باللغة الأم يقدمها على أنها كلمة متعة أو عبارة إمتاع، كما أنها تعتبر الشكل الأكثر التصاقا بالروح اليابانية نظراً لقصرها وشدة قوتها التعبيرية التي تقول ما يود اليابانيون قوله.
بين التذوق والفهم
لا يعدو الشعر بوصفه حالة إمتاع روحية وحسب، ويكمن سرها بالمزاج الشخصي لكل قارئ، ولكن إشكالية فهم الهايكو تتداخل بمدى وصوله عبر التذوق أكثر منه عبر الفهم، على عكس تجارب الشعر الحديث التي تأخذ شكلاً فلسفياً أحياناً يقوم على منح فلسفي وتجريدي يقدم الحكمة وقد هرب قراء هذا الزمن من تلك الأشكال لشدة تشابهها وتناسلها.
يلعب الهايكو كما يقول عضيمة في كتابه الجديد دوراً جوهرياً في تأصيل الهوية اليابانية، وتعتمد بنيته البصرية على روح الضحك والعبث التسلية حيث ينقص الإنسان العربي الكثير ليصل إلى تلك المكاشفة في تذوق فن الهايكو، ولكن هل نستطيع أن نتذوق الهايكو، في لغة الضاد، وماذا ستعني بالنسبة إلى القارئ العربي، عاشق المطولات ست أو سبع كلمات يتكون منها الهايكو الواحد، ويدور موضوعها حول شيء قد يكون بلا قيمة بميزان القيم الشعرية العربي.
هنا يضع عُضيمة اللوم على الميتافيزيقيا في حرماننا تذوق أشياء الطبيعة لغوياً إذا يقول: (يبدو أننا لم نتعلم كيف نتذوق أشياء الطبيعة، أو كيف نحتفي بها لغوياً، إنها التربية الدينية الميتافيزيقية من جديد تكتم الأعين والأنوف والأفواه.
لقد تحول القارئ العربي إلى عالم الرواية بسبب التشابه الكبير الذي يعيشه أكثر الشعراء في قصائدهم، ولعل ظهور قصيدة الومضة المشابهة للهايكو الياباني هو أحد الآثار الإيجابية التي أعطت النص الجديد حداثوية لغوية وفنية متناسقة مع محيطه وثقافته، وهنا لا نعني رسائل الموبايل التي درجت في الآونة الأخيرة على أنها نصوص ومضة شعرية، إنما نريد بذلك الشكل الأقرب إلى الحياة حيث التماس المباشر مع أشياء الطبيعة بعيداً عن الكنايات والتشابيه.
إن العلاقة مع الطبيعة هي مصدر الهايكو الجمالي، حيث يرسم الهايكو بالكلمات منظراً طبيعياً بسيطا وحقيقيا، يحتفي بالهدوء وسط الطبيعة ويفتح بوابة المخيلة للسباحة في تفاصيل غريبة ومضحكة أحياناً وأحياناً أخرى حزينة: (شفافاً يعبرها/ ضوء النهار/ الفراشة النائمة) كتاب الهايكو ص60.

ترجمة مثلثة
في إصدار آخر يقدم المترجم حسان عباس كتاباً من القطع الصغير بعنوان (رحلة مع الهايكو) ترجمه عن اللغة الفرنسية، وفي تحليل لمفهوم الهايكو يقول عباس: (الهايكو نمط شعري ياباني قديم يتميز بكونه أصغر وحدة شعرية مكتملة في آداب العالم قاطبة. ويمكن تشبيه الهايكو من جهة قصره بالبيت الشعري، وبالقصيدة من جهة اكتماله، يبنى الهايكو من ثلاث جمل قصيرة ثابتة الإيقاع و الوزن {5-7-5} ترسم في اللغة اليابانية على سطر واحد) أمّا محمد عضيمة الذي يترجم من اللغة الأم مباشرة إلى العربية وهو الشاعر الأقرب إلى النمط الجديد في الكتابة الشعرية العربية المشابهة للهايكو، يقول: (أهم ما يميز الهايكو من حيث الشكل هو القصر. ويكتب على يمكن الصفحة من الأعلى إلى الأسفل موزعاً على ثلاث أسطر وفق مقاطع صوتية محددة العدد {5-7-5} يعني في السطر الأول خمسة أحرف (أصوات) وقد تكون كلمة وحرفاً يجد تتمته في ما يجيء بعده أو كلمتين، وكذلك في السطر الثاني سبعة أحرف قد تكون أيضاً كلمة أو أكثر أو أقل وأخيراً نختم بخمسة أحرف بحيث يتكون المعنى)
هناك شبه إجماع على احترام القاعدة الذهبية القديمة لعدد المقاطع – الحروف الصوتية ليس لأنها قاعدة ويجب التقيد بها كشرط للهايكو الناجح وحسب، بل ولأنها في الأساس أيضاً تؤكد على التطابق بين المدة الزمنية التي يستغرقها النّفَس عند إطلاق آهة التعجب أو التمتع بشيء، بين الفترة الزمنية التي تستغرقها قراءة سبعة عشر حرفاً صوتياً، أي قراءة الهايكو الواحد تكون بجرة نفسٍ واحد.. هكذا نرى أن رؤية عضيمة من الداخل أكثر وضوحاً وتعبيراً من عباس حيث تتلعثم ترجمة عباس أيضاً لمجموعة الهايكو التي قسمها في كتاب (رحلة مع الهايكو) إلى فصول على اسم فصول السنة من أجل ابتلاع أحجية الطبيعة والهايكو، ليضع القارئ أمام تجربة من الترجمة التي تحتاج إلى بوصلة دقيقة خصوصاً حين تكون ترجمة مثلثة تصل إلى القارئ العربي بعد ثلاث لغات.!
بالتأكيد هذا لا يلغي الترجمة التي قدمها حسان عباس لتلك المقتطفات من الهايكو إذا اختار من نخبتها ما يمتع حقاً حتى ولو أنه نقل عن اللغة الفرنسية، وللصدفة قام عباسة بترجمة مقطع للشاعر الياباني إيسا كنا قد حصلنا عليه في ترجمة عضيمة أيضاً، يقول عباس في ترجمته للمقطع: (بهدوء وثبات/ تتأمل الضفدعة/ الجبال)ص78 كتاب “رحلة مع الهايكو”، أمّا عضيمة يترجم نفس المقطع عن اللغة اليابانية هكذا: (يا للضفدعة/ بكل هدوء/ تحدق في الجبال)ص70″كتاب الهايكو”، يبدو الشرخ واضحاً من صياغة الترجمة إذا يلتف عباس بترجمة مثل هكذا نماذج حول تصدير المعنى كيفما اتفق، أمّا عضيمة المهتم بالتفاصيل واللغة والتدرج الصوري للمشهد يؤكد: إن الضفدعة بكل هدوء تحدق بالجبال، وعباس يقول: بهدوء وثبات..هنا نتلمس اعتيادية خالية من شعرية مميزة بين (بكل هدوء) و (بهدوء وثبات) هذا ما نسميه تشوه اللغة عند ما يقوم المترجم بالعمل على لغة غير الأم وخصوصاً إن لم يكن قد تعايش مع تلك الشعوب التي تمنح بيئتها قدرة أكبر وأغنى على إيصال الهايكو إلى مرحلة الذائقة العربية بأجمل ما يمكن..وفي نهاية المطاف فإن الترجمة ليست أكثر من وجهة نظر تلاقي قبول هذا ورفض ذاك مهما بلغت من الدقة والأمانة، أو التجاوز والخيانة، على أن يبقى هناك شيء من الترجمة يتفق عليه الطرفان.

ذائقة النخبة
لم يوجد الهايكو ليكون فناً شعرياً يقوم بكتابته شخص واحد، إنما هو مشروع تشاركي قد يدخل في بناء هايكو واحد أكثر من شاعر، وذاك الانفتاح الطلق على هواء الآراء والالتقاط اللغوي المنوع منح الهايكو ثقة كبيرة في الاشتغال على جسده الشعري حتى يكون بهويته الأولى واجهة اليابان الحضارية وعدسته المكبرة على الجمال.
النخبة المحلية تستهجن مستقبل القصيدة العربية، إذا أننا لا نقترح تحويل الشعر الجديد كله إلى هايكو بل إلى شعر خاصة من بيئة تشبهه وحده، تشبه ناسه المعاصرين أدواته المختلفة عن الأزمنة الغابرة، ولعل الهايكو مثالاً حياً نقارب فيه تفتح العالم على نمط أدبي عريق ومعاصر في كل الأزمنة، هكذا تدخل ذائقة النخبة إلى منطقة الخطر في إعادة حساباتها حتى تتمكن من تجاوز هذا المنجز الضخم والخاص بشعب يتقن الوعي الجمالي للأشياء ويفوق مثيله في أية نقطة في العالم.

أضف تعليق