عمر الشيخ
النهضة 505- دمشق

سنختار ثلاثة أعمال درامية (لعنة الطين- زلزال- البقعة السوداء) تروي قصص أناس سوريين عاصروا مراحل تاريخية بارزة من منتصف السبعينات حتى مطلع التسعينات في المجتمع، قصص عن القهر والضغوط الاجتماعية وتحولاتها المرعبة، تنتقل إلى الشاشة بألوانها الباهتة محملة بخفايا إنسانية واجتماعية قاسية وجريئة ربما، ولكن كيف تعامل كل من الكاتب والمخرج في تجسيد تلك المراحل الحساسة التي أصبحت فرصة خصبة للتناول التلفزيوني كما نشاهد الآن..؟
أعمار كتاب مختلفة وتجارب إخراجية تتصدى لإنجاز تلك الأعمال للمرة الأولى، نتلقف ما يمكن من زحام الإنتاج الرمضاني الموسمي، والذائقة تنتظر الجديد والمتميز، ولكن الرهان بدا واضحاً حسب ما أفادت إحصاءات الإنتاجية لتكاليف الأعمال، الأمر الذي يحيلنا لتصور كما احتاجت تلك العدسات لتعيدنا ثلاثين عاماً من خلال حكايات تتقاطع مع الواقع أحياناً وتشبه المتوقع أحياناً أخرى، لكن القاسم المشترك هو تلك «الهبّة» الكبيرة لتقديم دراما الماضي وفضائح الفساد التي عبرت تلك الآونة، والسؤال هنا: هل انتهى الفساد في تلك الأيام وحسب؟ هل نحن الآن نعيش رفاهية مطلقة وأحوال أفضل بعشرات المرات من تلك التي عاشها أناس الثمانينات أو السبعينات؟ ما حجم هذه المصداقية التي يمكن أن نتوقف عندها؟
تصوّر القهر!
هي التجربة الثانية للمخرج أحمد إبراهيم الأحمد بعد مسلسل (طريق النحل) الذي قدمه العام الفائت، يحاول الآن في مسلسل (لعنة الطين) الذي كتب نصه وحواره سامر رضوان أن يرصد جزءاً من مرحلة المجتمع السوري تحديداً مطلع 1985، حيث يذهب بكاميرته إلى قرية من قرى الريف السوري ليدخل إلى يوميات أهلها بشكل تقليدي معرفاً المشاهد على خطوط العمل الرئيسية وتوجهات شخوصه منذ الحلقات الأولى، مدخلاً عنصر لهجة أهل الساحل كتيمة مراقة لهوية كل الأحداث، فنصطدم مع حكايات بعض العائلات التي تعاني من ضغط اقتصادي واجتماعي كان قد أصاب البلاد آنذاك، متلمساً أبسط شرائح المجتمع القروي ليرسم أحلام واهتمامات كل شخص بحسب تصور الكاتب الذي استقى من ذاكرته الشيء اليسير واعتماد على التخييل السردي كحل لربط الشخصيات وتحولاتها ببعضها، مما يسهل على المشاهد تصور الأحداث المقبلة بعد عدة حلقات من انطلاق العمل، هنا نلاحظ مدى هشاشة النص الذي انحسر بقضية يومية تمتد طولا وعرضاً خلال الحلقة لتصور طريقة معالجتها من قبل أصحابها، كأن تكتشف إحدى العائلات هناك أن ابنتهم التي تدرس في المرحلة الثانوية تدخن السجائر في حمامات المدرسة، وتقوم بالكذب المستمر على أهلها وأصدقائها لتنال ما تريد، فتحدث البائع الجوال وتغويه مقابل إهدائه لها قطعة ثياب مما يبيعه للعابرين من أهل القرية، هكذا طوال الحلقة ننتظر لقطة القصة بمنحى مختلف إلا أننا نفاجأ أن خاتمة الحلقة هو أن يقوم الأب بضرب ابنته بعد شهادة المدرس التي أعقبها فور معرفته بالمشكلة ولكن الأب لم يصدقه.. بالنسبة لنا كمشاهدين لم نجد داعياً لصرف كل هذا الوقت على حلقة كاملة من أجل القول إن هذه الفتاة تكذب وتراوغ، فبدل أن يكشف لنا لماذا تكذب وتراوغ خلقت شخصية هكذا دون تحليل درامي ناضج.
من خلال هذا المثال ندخل إلى ردات فعل أهل القرية الذين يعيشون كأهل في أسرة واحدة فنجد منهم الطيب ومنهم الصادق ومنهم الثرثار ومنهم الأناني.. مقاربة لحل مشكلة لا تستحق كل هذا الوقت من تقريب الشخصيات إلى بعضها وسياقهم برؤيا تدل على النوايا والعواطف ولا يحكمها دينمو درامي متماسك ما عثر العمل منذ حلقاته الأولى..
يتصور المخرج أن تجسيد القهر من خلال إحدى الفتيات اللواتي يفتقدن للحب والحنان والعاطفة والصدق.. أنه يهضم عبر ذلك عنصراً إشكاليا يقوم عليه العمل! فهو لم يقنعنا بأكثر من مثال من القرية عن أكثر من شخص فتاةً أو شاباً أو كهلاً أو غيره.. بدل هدر الوقت بقصة واحدة مضى نصفه بالنظرات والتأمل وردات الفعل الحركية النابعة عن نص يحتاج لنضج بصري أكبر.
حروب.. حروب
في مسلسلي (زلزال) تأليف بسام جندي وإخراج محمد شيخ نجيب، و(البقعة السوداء) تأليف خلدون قتلان وإخراج رضوان المحاميد، نشاهد قاسماً مشتركاً هو الاجتياح الإسرائيلي للبنان وتعاضد الجيش السوري مع أشقائهم في لبنان، نغوص من خلال مسلسل (البقعة السوداء) في تفاصيل الحياة الاجتماعية في بعض المدن السورية ما يجعل من هذه التجربة شيقة لمعرفة ما حدث في توقيت خطير كتلك المرحلة، وبالاعتماد على الوثيقة التاريخية والنص المعاصر لتلك الفترة، نشاهد أبرز القصص لأم تربي ثلاثة أبناء ولدين وفتاة وهي من الطبقة الاجتماعية الفقيرة جداً، تعمل لتعيل أبناءها حتى يكبروا، يقرر أحد الأولاد السفر للبحث عن فرصة عمل تخرجه من همومه الاقتصادية والنفسية التي يعيشها إبان حدوث المتغيرات السياسية التي أخافت الناس آنذاك، فيهاجر دون رجعة خارج البلاد، ويظل الابن الآخر إلى جانب أمه وأخته، يعمل ضمن محيطه بأكثر من مهنة، متحملاً أعباء مسؤولية أنه المعيل الوحيد لعائلته، لكن نداء الواجب الوطني يخطف زهرة شبابه ليمضي شهيداً في حرب لبنان.
أمّا مسلسل (زلزال) الذي تدور أحداثه في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ويعتمد مخرجه مدينة اللاذقية مكاناً جغرافياً يحمّل أبطال مسلسله الطابع (اللاذقني) من التقاليد واللهجة، حيث يروي حكايات دخول سماسرة البناء والمهربين وأصحاب المشاريع الفاسدة الذين يجعلون من أصابعم الأخطبوطية محركاً مؤثراً في القيم الأخلاقية التي تتلاعب على القانون لإمضاء صفقات تجارية تستغل صعوبة الظروف المحيطة بالناس البسطاء الذي يشتغل بعضهم بالصيد وبعضهم الآخر تتطور حياته ليذهب للعاصمة ويعمل هناك، فترتبط الأحداث مع بعضها من خلال نمو درامي موحد يحكمه سير زمني مرافق لمتغيرات الأمة العربية حيث ينتهي العمل عند دخول الجيش العراقي إلى الكويت عام 1990.
لماذا دراما الماضي الآن؟
بالرغم من تحمل بعض الأعمال التلفزيونية هذا العام لجرعة كبيرة من القساوة البصرية، إلا أن السؤال الأكبر لماذا دراما الماضي الآن؟
لقد تحول الماضي وخفاياه إلى مادة دسمة للتلفزيون، مما جعل الكثير من كتاب الدراما يتطرقون لحجز جانب تاريخي من الأحداث وأخذه إلى رؤيتهم وطرحها كعمل يجسد مراحل تاريخية حساسة، حيث أتيح لمعظمهم الاستشهاد بمذكرات الآخرين وتحوير الأحداث والابتعاد عن الجو الحقيقي لتلك المراحل حتى يضمنوا قبول العمل رقابياً، لأن إنتاج التلفزيون السوري إمّا أن يكون رمزياً للغاية بقصصه وقضاياه الدرامية أو أن يكون مباشراً بمانشيتاته وعناوينه الصفراء! دراما الماضي.. جدل برسم المشاهد هل نستفيد من أخطاء الماضي الآن، أم نسخر منه ونضحك عليه وعلى تخلفه لأننا تطورنا الآن؟

فظيع… عمر الشيخ
إعجابإعجاب