عمر الشيخ
النهضة – العدد 503-دمشق 2-آب

يصادف يوم الثامن من شهر آب الذكرى التاسعة والستين لرحيل (رابندرانات طاغور) الشاعر والفيلسوف الهندي العظيم. الذي ولد عام 1861 في القسم البنغالي من مدينة كالكتا، وتلقى تعليمه في منزل العائلة على يد أبيه ديبندرانات وأشقائه ومدرس يدعى دفيجندرانات الذي كان عالماً وكاتباً مسرحياً وشاعراً كما درس طاغور اللغة السنسكريتية لغته الأم وآدابها واللغة الإنجليزية ونال عن مجمل أعماله في الأدب والشعر والمسرح جائزة نوبل في الآداب عام 1913 ثم أنشأ مدرسة فلسفية معروفة باسم (فيسفا بهاراتي) أو الجامعة الهندية للتعليم العالي في عام 1918 في إقليم شانتي نيكتان بغرب البنغال.
في جولة حول تجربة طاغور الشعرية نلقى اهتماماً منوعاً على صعيد اللغة والمواضيع التي كتب عنها في أواخر القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، إذ تطال رؤية طاغور الفلسفية مناحي مختلفة في الحياة خصوصاً تلك التي نسميها شخصية حيث توفيت زوجته التي عقد قرانه عليها عام 1883 وهي في زهرة شبابها، ولحق بها ابنه وابنته وأبوه في أوقات متفاوتة بين عامي 1902 -1918 الأمر الذي سبب لدى طاغور هماً عاطفياً ثقيلاً أثر على سائر نتاجه الشعري: (يا موت!/ لقد خلفت وراءك في حياتي/ حزن الأبدية العظيم/ ولقد صبغت أفق تفكيري بألوان الغروب/ تاركاً أثر دموع تعبر الأرض نحو سماء الحب/ وشبكت بذراعيك الغاليتين/ اتحاد الحياة بالموت فيّ، برباط عرس/ أنت محتفظ بكأس الموت لشفتيّ/ مالئاً إيّاه بحياةٍ من حيواتك)ص97-98(هبة العاشق- منشورات وزارة الثقافة2002).
طاغور الذي كتب الشعر في الثامنة من عمره متغنياً بالحياة والطبيعة بعين الحكيم العارف ترك الحقوق وعلوم التشريع في الثامنة عشر من العمر عائداً من انكلترا إلى مناهل العلم الجاد في كالكتا مثقفاً نفسه بنفسه، ليقرأ الشعر البنغالي متفحصاً قصائد كاليداسا إضافة إلى كتب الأسطورة والتاريخ والفلسفة.. ثم متوجاً نتاجاته الأولى نحو عام 1890 بمجموعته الأولى (أغاني المساء) وفي ترجمات مختلفة وقعت بين يدينا منها من ترجم منتخبات في أعماله المسرحية والشعرية والنثرية ومنها ما اقتصر على الشعر بوصفه الأجمل بين نتاجه الأدبي عموماً، هكذا يقدم للمكتبة العربية منذ نحو نصف قرن تجربة كبرى غيرت في ذائقة شعراء معاصرين عرب وأجانب كثر ذهبوا باتجاه النهج الفلسفي في تطبيقات القصيدة الحرة، فتعلو السردية بحضور التشبيه البياني لتقفل المقاطع الشعرية بتوقيع درامي شعري يتصرف بالمخيلة على مدى انسيابي ذاتي يأخذ القارئ إلى تأمل مختلف: (كان طريقكِ يمر عبر حديقة الآلهة/ حيث حشود الياسمين المرح، / والزنابق، وزهور الدفلى/ قد تدلت أكوماً على ذراعيكِ/ فأصبح قلبكِ- في الداخل- صخاباً عاصفاً) ص46 (هبة العاشق).
قام طاغور برحلات عديدة في أوروبا والشرق الأقصى والإتحاد السوفيتي وأميركا وإفريقيا، ينشر المحبة والأمل والطيبة، كانت عيناه الباحثتان باستمرار عن أفق المعرفة والعلم لا تتلكآن بتقصي غرائب بقع العالم على تنوع ثقافتها ومعارفها، فتشكل لديه مخزوناً بصرياً هائلاً أغنى تجربته في الحياة والإبداع.
تأثر أسلوب طاغور بالرمزية وكثيراً ما يعمد إلى القصص والأساطير فيرويها شعراً، ويرمز بها إلى شيء ويخلص منها إلى فكرة مستجدة رائعة، وقد طبع الرمز صوره الشعرية بالخصب والحركة، على أن هذه الصور تتراءى آبدةً موشحة بالوهم، معلقة بالحلم والخيال، فإنها تظل منسجمة متناسقة مما جعل شعره يبتعد عن النغمة والإيقاع ويرتكز على رسالة فكرية وإنسانية تماثل في نبلها وصفائها رسالة المفكرين المصلحين العظام.
يقول طاغور: (إن الكون كله لك، دوماً وأبداً. ولأنه ليس لديك رغبة يا ملكي، فإنك لا تجد متعة في ثرائك. فكأن هذا الثراء لم يكن موجوداً قط. لهذا فإنك تمنحني، عبر الزمن الوئيد، كل ما يخصك، تحتل من نفسي دوماً مملكتك. يوماً فيوم تطلب إلى قلبي شروق شمسك وتلفي حبّك منحوتاً من صور حياتي) ص122 (روائع في المسرح والشعر – طاغور- منشورات المدى 2005).
برع طاغور في الرسم إلى جانب تفوقه في الأدب، فقد راح يرسم في مرحلة متأخرة من حياته، وهو في الستين من عمره، وأقام عدة معارض ناجحة أحدها في باريس بناء على نصيحة أحد أصدقائه كان يقول طاغور: «عندما بدأت أرسم لاحظت تغيراً كبيراً في نفسي، بدأت اكتشف الأشجار في حضورها البصري، بدأت أرى الأغصان والأوراق من جديد، وبدأت أتخيل خلق وإبداع الأنواع المختلفة منها، وكأنني لم أر هذه الأشجار مطلقا من قبل أنا فقط كنت أرى الربيع، الأزهار تنبثق في كل فرع من فروعها، بدأت اكتشف هذه الثروات البصرية الهائلة الكامنة في الأشجار والأزهار التي تحيط بالإنسان»
قدم طاغور للتراث الإنساني أكثر من ألف قصيدة شعرية، وحوالي 25 مسرحية بين طويلة وقصيرة وثماني مجلدات قصصية وثماني روايات، إضافة إلى عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والسياسة والقضايا الاجتماعية، وإلى جانب الأدب اتجهت عبقرية طاغور إلى الرسم، الذي احترفه في سن متأخر نسبيا، حيث أنتج آلاف اللوحات، كما كانت له صولات إبداعية في الموسيقا، وتحديدا أكثر من ألفي أغنية، اثنتان منها أضحتا النشيد الوطني للهند وبنغلاديش.
رحل رابندرانات طاغور أو الشمس العظيمة عن العالم في الثامن من شهر آب عام 1941 عن عمر ناهز الثمانين عاماً بعد أن ترك من خلال مؤلفاته وإبداعه في الفنون والعلوم الإنسانية إشراقات سحرية خالدة تشرف التاريخ بامتيازها وتنوعها.
