“ليلة القتلة” على خشبة القباني بدمشق: حــكـــــــايـــة الانـــتـــــقــــــام بــبـــــراءة الــخـــــيـــــــال

عمر الشيخ
النهار اللبنانية
تاريخ الاثنين 10 – 1 – 2011
العدد24091

من عرض "ليلة القتلة"
من عرض "ليلة القتلة"

أحياناً تراودنا رغبات مختلفة في التخلص من أي أحد يزعجنا، سواءً أكانت تلك الرغبة من خلال أحلام اليقظة أم برسومات لمخيلة مباشرة تطيح هذا أو ذاك. ولكن ماذا لو دارت الفكرة في رأس شاب برفقة شقيقتيه حيث سيتخلصون بشكل أو بآخر من وجود أبويهما اللذين يشكلان “علقة” حياتية تقمع حرية أحلامهم البسيطة والكبيرة؟! هكذا استطاع المخرج مأمون الخطيب اقتباس الفكرة من نص بعنوان “ليلة القتلة” للكاتب الكوبي خوسيه ترييانا ليقدم مجموعة قصص ضمن مسرحية واحدة بعدما خلّص النص من جغرافيته وحوّله عرضاً محلياً بامتياز.
العرض الذي قُدِّم على خشبة القبّاني في دمشق، يلقي الضوء على مجموعة من الأشقاء يدخلون في دوامة اللعب لقول ما يحلمون به، فتتحول تلك الرؤيا مكاشفات متصلة منفصلة تعتمد التمثيل الساخر الذي يعبث به الإخوة عادةً أثناء أوقات فراغهم للنيل من حالة قهرية تقبع في بواطنهم، على رغم تفاهة صدّها لدى الأهل فقد تتحول كارثة نفسية تعكس رغبات متوحشة داخل كل فرد يخضع لسلطة حادة عبر الأب والأم وخصوصاً حين تكون الأسرة على حافة فكاك اجتماعي قاسٍ.
هكذا ندخل مع الشاب وأختيه في ألعاب مصيرية تنقلب قبيل نهايتها صوراً اجتماعية يعيشها كثير من الأبناء في مخيلتهم، تاركة مئات من إشارات الاستفهام التي تحتاج لوقت طويل للإجابة عنها. فالشاب الذي يقلد جيرانه ساخراً، يصبح في لحظة لعب مفاجئة قاتلاً مروعاً يريد تنظيف بيت أهله من سكانه ليعمّه الخير والسلام، كما يراه هو من منطق البراءة الانتقامية التي شحنتها قسوة الأم وديكتاتورية الأب. أما الفتاتان فتحلم كل واحدة منهما بأنها قد تخلصت من الأخرى، وتحاولان اختراع لعبة لإدانة الشاب الذي أخفى جثتي والديه ويحلم بإخفاء شقيقتيه ليعيد ترتيب المنزل من جديد.
فكرة النص تنحو بمقاربات مستترة قد تحملها بنية أي مجتمع، حيث يعيش الطفل في مواجهة يومية أمام معايير التربية بالعنف، وهذه القصة تفتح الباب أمام “ليلة القتلة” لتنغمس مشاهدها بين كوميديا التعليقات الذكية وقدرة الممثلين على تبني شخصيات عدة بأعمار مختلفة، بوصفهم يلعبون بتفاصيل محيطهم الاجتماعي وينظمونه كما يريدون. فعندما يلعبون لعبة المحكمة، تأخذ الفتاة الصغرى دور القاضي وتمثل الفتاة الوسطى دور المدعي العام، أما الشاب فيمثل دور المتهم أو المجرم. ولكن قبل الدخول إلى تلك اللوحة كانت قد تكوّنت لدى المشاهد فكرة مختصرة عن صراع كل شخصية مع نفسها، فتبدأ الفتاة الوسطى بكيل الاتهامات للشاب، وبين الحقيقة واللعب تظهر شخصيتا الأم والأب لتكشفا لنا هشاشة الترابط الأسري الذي أطاح مخيلة الشاب ليصبح القتل هوايته وغايته للحصول على أي شيء. وعندما يبدأ الشاب بالدفاع عن نفسه تظهر بالتتالي شخصية الأب ثم تقابلها شخصية الأم، وما بين تلك الحوارات نشاهد انكماش الشاب على نفسه وإطلاقه صرخات رافضة توقيف اللعبة وتأجيل الحديث. لكن الفتاتين لا تأبهان له، فيصل إلى حد الانفجار، ويبدأ بتمثيل حادثة قتل والديه اللذين تسببا له بعقد نفسية، أساسها أنانية كل منهما وتهميش عاطفة الحنان لتتحول سياطاً تربوية زادها القوة والفرضيات الاجتماعية التي لا تسمح للشاب بالتمرد على ذويه.
هي حكاية من حكايات الانتقام المبرر ببراءة الطفولة، تقودنا إلى أسئلة كبرى من قبيل: لماذا يعتقد الجميع أنهم على حق؟ وعلى تلك المقولة التي اختتم بها المخرج مأمون الخطيب عرضه، تقوم مفاهيم جدل الحرية ضمن المنزل الواحد والأسر المفككة، وربما كل مؤسسة اجتماعية تخضع لعقلية احترام الأكبر حتى لو أصبح حضوره خطراً على البقية.
استطاع ممثلو المسرحية الشباب، يامن سليمان، علا باشا، وندى العبد الله، الإمساك بالشخصيات المختلفة التي كُتبت ضمن حكايات الألعاب الأسرية. فالقولبة المتماسكة التي تعرّض لها النص جعلته ينتمي الى الناس، ومنحت الممثلين مرونة ملحوظة في الأداء مكّنتهم من التنقل بحرية ضمن خطوط درامية منسوجة باحتراف. فالقتلة استطاعوا إقناعنا بأنهم يحلمون ويلعبون لا أكثر، وفي الوقت عينه منحونا متعة ساخرة في قتل التأثيرات السلبية التي يحملها لنا الآخرون وخصوصاً تلك التي يصدرها الأهل والجيران والأصدقاء.
لا يندرج عرض “ليلة القتلة” ضمن العروض الاستثنائية لعام 2010 فحسب، بل إن مقدرته على تزويج الإخراج السوري بالنص الأجنبي بدت مشغولة بعناية وحب. ولعل تبني الممثلين الشديد للشخصيات التي التصقت بهم على الخشبة منذ ظهورهم حتى إنهائهم اللعب هو خير دليل، إضافة إلى تركهم احتمالات الأسئلة الكثيرة التي تدور حول استخدام القتل كحل نسبي وجذري لترتيب أي تجمع بشري. لكن القتل الذي قصده المخرج، هو قتل البشاعة لا قتل الروح بوحشية المجرمين. فالعنوان للوهلة الأولى يبدو ضرباً من ضروب ليالي دراكولا، إلا أن هذا الضجيج كله هو لشباب يحلمون بتغيير أنفسهم عبر قتل المتاعب والقلق.
ولكن السؤال كيف يقتلون ويظلون أبرياء؟

أضف تعليق