عمر الشيخ
جريدة النهار
الاربعاء 2 شباط 2011
العدد 24114

بقدر ما أسعدتني قراءة سيرة الشاعر هانيبال عزوز الشعرية المليئة بالجوائز، أثارني أن أرى إنتاجه الجديد “سَ…” الصادر حديثاً عن “دار بعل” بدمشق، ذلك أن نصوص هذه المجموعة لم تسجل أي اختلاف عمّا هو متوافر في التجربة الشعرية السورية، فهويتها الحسية عزلت عنها نمطية قصيدة التفعيلة التي كانت تتمتع بغنائية، عندما كتب بها عزوز مجموعاته التي أعجبت لجان تحكيم جوائز الشعر (سعاد الصباح ومنابر إبداع مصر). لا نقف أمام إنتاج متطور وجديد من تجربة عزوز بقدر ما نشعر أننا أمام تجميع لقصائد لم يناسبها لا وزن ولا موسيقى ولا تفعيلة ولا حتى نثر، إذ تحولت معظم النصوص نافذة تجريبية لسردية الإنشاء المادي التي يستخدمها عادةً كتّاب الشعر الجديد، بحيث يسقطون على المشاهد الديناميكية أحوالهم النفسية فيشبّهون الحبيبة بالشمس التي تخترق بخيوطها عتمة ليل العاشق الوحيد!
نتلمس في هذه المجموعة محاولات مكشوفة في لغة ضيقة، دليل ضعفها الأبرز إعادة استخدام التشابيه الشعرية نفسها في أكثر من موضع وفي صورة واحدة مثل: “المجاز تقيأ الآن الجثث” (ص22)، و”علم يتقيأ فوق أحد الأبنية المرتفعة” (ص64)، “وتتقيأ في حقائبنا من المغص” (ص94)، وهذا ما يدعى القصر البياني في بناء الجملة الشعرية، حيث نلاحظ أيضاً في معظم الأمثلة تلقائية لرد الفعل لا يتدخل فيها الشعر، بل يكتبها كما هي، كأنه يخبر عن شيء تقليدي يمكن أن يحدث مع أي شخص، مثل تشبيه الحقائب بالإنسان الذي يصاب بالمغص، إذ لا تعدو كونها محاولة استعارة “للترقيع”.
تلازمنا طوال القصائد صور ومساحات خيالية لا تتجاوز الوقوف على الأطلال وتذييله بإبرة شعرية رنانة يعتبرها الشاعر فتحاً بيانياً صاخباً: “الوسادة تتعرق وحدة/ المصباح يتنفس بصعوبة” (ص16)، “سأدفن قتلاي هذا الصباح/ لا شيء لي، بعدك، كي أنتظر!! غرفتي امتلأت بالحروف المتكسرة والمعاني المحترقة، والأصابع المبتورة” (ص18). المقطعان يخلوان مثلاً من أي تماس جديد مع صورة مختلفة، حيث ان التصاوير ينقصها الصدام الحسي بالمعنى لأن سردها بهذه المباشرة يسلخ عنها أي هوية شعرية فتبقى مجرد تراكيب فحسب. فالوسادة تتعرق، أي أن أحداً يبكي فوقها أو تحتها، والمصباح يتنفس بصعوبة، كناية عن الخوف الوهمي في مكان هو على ما يبدو غرفة، أما الأحاسيس فلم يحطها الشاعر بتعابير خاصة، فالمشاهد مرتبة بتلقائية فجة تشعرك كأنك أمام بحيرة إنشاء لغوي عابثة.
في عودتنا الى العنوان، نلاحظ مدى توقع الشاعر أن مثل هذه العناوين التي استخدمها أنسي الحاج في “لن” ونزار قباني في “لا”، في الستينات والسبعينات، لا تزال الى الآن تحافظ على مدلولها الشعري ولفتتها الدعائية الخاصة، فكيف إذا اندرجت المجموعة كلها على هذا المنوال؟ ففي ديوان “سَ…” الذي جمع الشاعر ضمنه قصائد مر على كتابتها أكثر من خمس سنوات، أي قبل تسلمه جوائزه الشعرية، نجده يضع فضلات مما لم يُقبل من نصوص كتبت آنئذ للجائزة، والقارئ ليس مجبراً على التواصل مع نتف لا تقدم سوى محاولات سردية في تكوين نصوص درامية مشغولة على توصيفات مسرحية تناسب جلسة عابرة بين أصدقاء أو رسالة بريد قراء لصفحات أدب الشباب، ولكنها لا تتحمل أن يطلق عليها عبارة تجربة جديدة، في حين ان معظم نصوصها من فترات متفاوتة لا يتصل بعضها ببعضها ضمن خط فني واضح بقدر ما تفضح فصامها اللغوي وتركيبتها الشعرية المستهلكة، سواءً في الصورة أو في سردية أضاعت بوصلتها في فلسفة غائمة لا تقرب الشعر كعبه: “الغابة تركض خلف حطّابها الخائف/ وعلى جبينها تعصب نهراً/ وفي يدها تمسك فأساً من/ ذراعه المكسورة/ الغابة تركض في المعنى/ وهناك من يركض في الممر/ نحو بابي/ هل أفتح، ستصفعني الرؤيا؟” (ص37)، “لا أريد التورط بصياغة جديدة لهذه الـ”سَ…” إذ كلما تجرعت منها مشهداً/ تنهدت سرتك في آخر المجاز” (ص 41)، إلى آخر هذين المقطعين حيث لم نتلمس دهشة في صيغة الـ”سَ…” ولم نتواصل مع الغابة التي لا نعرف ما الذي حضر فيها للرؤيا، وما دخل أن يتجرع الشاعر مشهداً منها بسرة تتنهد في المجاز. فأي مجاز وأين يكون؟ هنالك انفلاش وفضفضة شديدة التقوس في معاني المفردات، ذلك ان الشاعر لم يعتمد على شكل واضح، فكل القصائد تنحو في تجريب مستمر للبلاغة الفائضة والتكلف السري للحدث، ولم نتلمس أحداثاً مختلفة بل سلسلة كتابات نثرية ضائعة الإثارة والخصوصية ولا تبالي بحشر أي كلام ضمن سياقها الفني والشعري مثل: “العالم ملوث بالعالم/ الأشياء تزداد قسوة/ كلما بلغت معنى، توحدت فيه” (ص 75).
في مواضع أخرى يقع الشاعر من جديد في مطب الصورة المعروفة التي استخدمها كثير من الكتّاب والشعراء، وهي النافذة التي تطل على مقبرة، يقول: “لن أركض إلى النافذة كي أتأكد/ نافذتي لا تطل على الشارع/ بل على المقبرة” (ص74). تلك المحاولة في جعل ثلاثة أسطر في قصيدة إبرة شعرية، تؤكد أن الشاعر لم يعتنِ بالصور الجديدة والمختلفة، فالمقبرة دائماً فوقها نافذة تطل عليها، فما الجديد وأين الشعر حتى الآن؟
