النهار اللبنانية
العدد 24139
الاثنين 28 – 2 – 2011
عمر الشيخ

دمشق…
أعمال جبران هداية في صالة “عشتار” الدمشقية تتقاطع بقوة مع لوحات للفنان السوري الراحل لؤي كيالي، وبحكم أن كلا التجربتين قد ولدتا في حلب خلال شروط اجتماعية وجغرافية متفاوتة، فقد أثّرت التجربة الأقدم في التجربة الجديدة على رغم أن هداية تجاوز الستين من العمر، ذلك أن مخيلته لم تخرج على تجارب كيالي بالمعنى التقني والفكري للون وحركة الريشة واختيار وضعية الوجوه وإحساسها النفسي. فتجسيد البشر في حالة انتظار أو دهشة، ينتمي بلغته إلى أعمال كيالي الشهيرة، والأمر نفسه بالنسبة الى تقنية منح الأجساد العارية تلك الكتلة البصرية من اللون البني الفاتح، حيث يقدمها الرسام بمضمونها التقليدي أو المنسوخ عن تجارب كيالي.
يفتخر جبران هداية بمقدرته على التعامل مع الكومبيوتر لطباعة أعمال الفنانين التشكيليين، فهو يقلد أيضاً أعمالاً ليوسف عقيل إلى حد التطابق التشريحي في اللوحة، عبر إسقاط حواف الشخوص وطباعتها على ألواح ورق شفاف مقوى. فهل المقصود الاحتفاء بإنجازات الآخرين، أم النقل العلني بوصفه موقّعاً باسم الناسخ؟
لا يمتلك المعرض قيمة ذات خصوصية، بقدر ما تنتمي لوحاته الى مدارس تشكيلية مختلفة، منحولة من روائع نخبوية لفنانين لهم بصماتهم الخاصة على اللوحات. وهذا إنما يدل على خواء معرفي في بناء الثقافة البصرية الذاتية. فهداية يدرك تماماً حجم الرواج الذي يلبّيه للتجار بتقليد لوحات الآخرين وبيعها بأسعار بخسة، فتنشأ سوق إعلامية وتجارية، تروّج للفنان كأنه صاحب إنجاز تاريخ مميز، حيث يقول: “أنا لا أهاجم اللوحة بشكل مباشر، بل أقوم بدراسات ورقية كتحضير مبدئي للعمل، ونقلها على سطح القماش، ومن الممكن أن أقوم بدارسة طويلة لاكتشاف حركة الضوء، ولكن هذا لا ينفي تطور العمل أثناء نقله على القماش، من خلال بعض القيم اللونية التي تفرض نفسها بشكل مباشر أثناء مرحلة التشكيل الأخيرة، مع الحفاظ على التوازن اللوني الذي أجده مناسباً”. يحيلنا كلام هداية على مسلمات أساسية في تكنيك طلاب كلية الفنون الجميلة، لأن دراسة حركة الضوء والقيم اللونية أول ما يتعلمه الطلاب، وهذا لا يعني أنه يقدم تشريحاً مقنعاً لعملية التقليد التي يقوم بها، بل يصرّ على نسخ أحاسيس الآخرين ونسبها إليه بكل وضوح.
لقد أشبع الفنان الراحل لؤي كيالي تلك المرحلة الغابرة من الواقعية التي كان من روادها، فلماذا يستعيدها فنان آخر؟!
