حوار عمر الشيخ
الاثنين 2-3-2011
العدد 24141
النهار اللبنانية

لقي معرض الفنانة التشكيلية السورية سارة شمة الذي أقيم في شهر كانون الثاني في صالة “آرت هاوس” في دمشق تحت عنوان “ولادة”، أصداء واسعة ومتباينة في وسائل الإعلام السورية بسبب العري الذي فيه، وأثار نقاشات حادة بين جمهور الفن والمثقفين، فضلاً عن المشاهدين العاديين الذين حضروه أو قرأوا عنه أو تابعوا أخباره من خلال شاشات التلفزيون، وضاعف الاهتمام بالمعرض ارتباط الفنانة ببرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ونشاطاته في سوريا ودول المنطقة. حول المعرض والضجيج الذي رافقه كان لـ “النهار” هذا اللقاء مع الفنانة:
• من أين يستمد معرض “ولادة” عنوانه؟
– يحوي المعرض 25 عملاً زيتياً من قياسات مختلفة رسمتُ معظمها في عام 2010 خلال فترة حملي بابني البكر، وكانت هذه الفترة مؤثرة وموحية جداً لي، شعرتُ خلالها بانعكاس التطورات التي يتعرض لها جسدي وعقلي وحالتي النفسية على لوحاتي، لذا رغبت أن أعرض هذه التجربة من أجل أن يطلع الجمهور على أعمال أعتبرها مرحلة خاصة في مسيرتي الفنية والحياتية.
• إلى أي درجة تشعرين أن العنوان مفصل مهم في دعاية المعرض؟
– أعتقد أن المعرض يستمدّ أهميته من الأعمال المعروضة وليس من عنوانه.
• يطغى سائل أبيض على عدد كبير من اللوحات فنرى نساءً ورجالاً يستحمّون به…
– هو حليب الأم الذي شعرتُ بطغيانه على حياتي ولم ألبث أن وجدته مسيطراً على لوحاتي. شعرتُ أن حليب الأم يحمل في بياضه وقوامه مشاعر وحنيناً ومحبة لا نهاية لها تجاه الطفل الصغير الهش الذي ينمو في أحشاء المرأة ويطل على حياة العائلة كأنه أعجوبة لا تُصدق.
• ربما كان أكثر ما صدم الجمهور في معرضك تلك اللوحات التي تصور أشخاصاً عراة، ذكوراً وإناثاً، كلوحة الرجل داخل الجاكوزي ولوحة المرأة المغمورة بالحليب. هل تجاوزت حدود المقبول في المجتمع السوري، وهل تعرضت لمضايقات بسبب تلك اللوحات؟
– لا يشكل العري في هذا المعرض عنصراً من عناصره إلا بقدر كون الأطفال يولدون عراة. فإذا نظرتَ إلى اللوحة التي ذكرتها، لرأيتَ الرجل متكوراً على نفسه داخل الحوض الدائري كأنه جنين في رحم أمه. العري في أغلب اللوحات لا يثير مشاعر جنسية بقدر ما يعيدنا إلى براءة الطفولة. حتى لو أثارت بعض اللوحات أحاسيس جسدية أو حميمة فهي لا تزال تحمل شعور الإنسان والطفولة والعائلة. لم أتجاوز خطوطاً حمراً، ولا أعتقد أصلاً بوجود خطوط حمر في المجتمع حول ما يستطيع أن يقدمه فنان أو لا يستطيع. لم أتعرض لمضايقات الجمهور أو غيره لأنني حسبما أُقدم نفسي يتم قبولي. لم أكن خائفة أو خجلة مما رسمت، لذا لم يعتبرني أحد ماسّة بشعوره سواء الاجتماعي أو الأخلاقي أو الديني. أثار المعرض حوارات مختلفة لكنه لم يهاجَم أو يعارَض.
• تمحورت بعض الانتقادات حول كون أغلب اللوحات تمثّلك أو تمثّل زوجك…
– لا أرغب بالدفاع عن المعرض أمام أي انتقادات. كل إنسان حر في أن يرى معرضي كما يشاء، مثلما رسمته أنا كما أشاء. إن أعجب المعرض شخصاً ما أم لم يعجبه، فهذا شأنه. لم أقصد توجيه رسالة من خلاله أو العزف على وتر معيّن. أردت أن أرسم ما أشعر به وأن يتواصل الناس مع ما رسمت، بغض النظر عن طريقة التواصل. لم يفرق الكثير من الجمهور بين لوحات البورتريه وعددها اثنتان فقط، واحدة لي والثانية لي ولزوجي، واللوحات الأخرى التي تمثل رجالا ونساء رسمتهم من خيالي فأتوا مشابهين لي ولزوجي. على مدى التاريخ، رسم فنانيون عالميون العديد من البورتريهات الشخصية لأنفسهم، ومنهم من تميز عمله بعلاقته مع شريكة حياته فرسمها وأعاد رسمها في العديد من لوحاته.
• ألا تظنين أن هذه الحالة تدل على نرجسية لديك؟
– تعودت منذ بداياتي أن أرسم نفسي، من خلال المرآة وتأملي فيها. بذلك أغوص في أعماقي فأكتشفها وأفهمها وأطورها نحو الأفضل. رسمت عشرات البورتريهات الشخصية، والعديد من لوحاتي الأنثوية تحمل من دون قصد وجوهاً شبيهة بوجهي، لكني لا أعتبر أياً من ذلك دليلاً على نرجسية. فالنرجسية هي عندما يعشق الإنسان نفسه إلى درجة لا يرى فيها سواها، وعندها ينغلق داخل صندوقه فلا يرى ما عداه، فيستحيل عليه أن يخلق في أي مجال من المجالات، لأن الخلق يحتاج إلى النظر إلى العالم حولنا واستخلاص الإلهام منه وعكسه في أعمالنا. أحب نفسي ولا أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يحب غيره إن لم يحب نفسه أولاً.
• ظنّ العديد ممن شاهد المعرض أن بعض اللوحات صور فوتوغرافية مرسوم عليها بالألوان الزيتية، وحاول آخرون أن يلمسوا اللوحات ليتأكدوا من أن بعض عناصرها مرسومة وليست حقيقية. ما التقنية التي تم استخدامها لتظهر اللوحات واقعية إلى هذه الدرجة، مع أن الكثير منها يبدو أقرب إلى السوريالية منها الى الواقعية الأكاديمية؟
– أرسم بالألوان الزيتية فقط. لم يفاجئني الجمهور غير المعتاد على رؤية الأعمال المتقنة، وإنما صدمتني أسئلة بعض المختصين ممن لم يفهموا ببساطة كيف يمكن رسم لوحات كهذه، مع أنهم يبجلون لوحات الفنانين التي يرونها في مختلف المتاحف، لإتقانها وواقعيتها. لا أعرف لماذا لا يمكنهم أن يصدّقوا أن فناناً سورياً يمكنه أن يرسم بالألوان الزيتية البسيطة ما رسمه الفنانون الأجانب الكبار.
• أعلنك برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في نهاية العام المنصرم شريكاً له من المشاهير، ماذا يعني ذلك؟
– برنامج الأغذية العالمي هو وكالة من وكالات الأمم المتحدة، وهو أكبر منظمة إنسانية في العالم، شعاره مكافحة الجوع، ويوزع المساعدات الغذائية على أكثر من مئة مليون شخص سنوياً، وهو يختار بين الحين والآخر إحدى الشخصيات العامة للترويج له ولمشاريعه، وهذه المرة اختار فنانة تشكيلية. يسعدني أنهم اختاروني فقد رغبت دائماً بأن أقدم شيئاً ما للمجتمع حولي، وأجد اليوم نفسي، بصفتي شريكة لهذا البرنامج، قادرة على دعمه وإلقاء الضوء على أعماله ومشاريعه، مما أرجو أن يساهم في إنجاحها وتوسيع رقعتها وحجمها.
• باع برنامج الأغذية العالمي خلال معرضك بعض المواد…
– صمّمتُ مجموعة من المواد المستوحاة من لوحاتي تم بيعها في المعرض وعاد ريعها لصالح البرنامج، هي عبارة عن فناجين وقمصان وملصقات، وأثار بيع تلك المواد فضول الحضور للسؤال عن مشاريع البرنامج والاطلاع عليها.
• هل للبرنامج مشاريع كثيرة في سوريا؟
– يوزع المساعدات الغذائية على ما يزيد على مئة ألف لاجئ عراقي في سوريا، وعلى عدد مماثل من السوريين المتضررين من حالة الجفاف في الشمال الشرقي للبلاد، ويقوم ببعض المشاريع الإنمائية كمشروع الغذاء مقابل التعليم، ومشروع محو الأمية للنساء مقابل الغذاء.
• يتحدث الجميع عن لوحة سترسمينها وتقدمينها لبرنامج الأغذية العالمي، ما موضوعها ؟
– بدأتُ برسم لوحة من القياس الكبير، مستوحاة من معاناة الجياع واستجابة البرنامج لهذه المعاناة، ويصور حالياً المخرج السوري المعروف نبيل المالح فيلماً عن اللوحة أثناء رسمي لها، وعندما تنتهي ويصبح الفيلم جاهزاً سيعرضان معاً في دار الأوبرا التي قدمتها وزارة الثقافة في لفتة كريمة منها تجاه البرنامج، ثم تُعرض اللوحة في معارض محلية وعالمية لتباع في نهاية 2011 في أحد المزادات العلنية الكبرى على أن يعود ريعها لصالح البرنامج.
• هل ستعرض اللوحة في لبنان أيضاً؟
– لا أعرف، لأن البرنامج هو من ينظم عروضها، لكنني سأكون سعيدة لو عرضت هناك، حيث يُقدَّر الفن والأعمال الإنسانية.
