الأربعاء 09 آذار 2011
العدد 24148
النهار اللبنانية
عمر الشيخ

لقد جازفت المخرجة هيلينا تريشتيكوفا حين توقعت أن الكاميرا لن تخونها للحظة وتخرج عن سيطرتها إلى بطش الملل، إذ رافقت على مدى أربعة عشر سنة حياة كاتكا الفتاة التشيكية التي طردتها أمها من منزلها لأنها جربت تعاطي المخدرات فانتقمت البنت من والدتها بالإدمان على التجريب..
جاءت المجازفة بحجم كثافة الفيلم الذي ولد أخيراً عن قصة حقيقية لمدمنة مخدرات بدأت تعاطيها مطلع العام 1996 حين كان عمرها 19 عاماً وكانت تحلم بأن يكون لديها حبيب وعائلة واستقرار وأمان، إلا أن حساسيتها المفرطة جاءت كردة فعل قلبت حياتها جحيماً، ومع بدء هذا التغير في حياة كاتكا أصبحت مادة دسمة لسينما الواقع، حيث قدمت أخيراً كفيلم تسجيلي ضمن أيام (Dox Box) في دمشق. كنا في جولة مريرة طيلة تسعين دقيقة لخصت سنوات من حياة امرأة هجرت المجتمع واستقلت في فوضى كسلها وبحثها المستمر عن نشوة الخدر و المنشطات التي ساقتها فيما بعد إلى السرقة والدعارة والتدهور النفسي والجسدي، وبينما تنهار هذه المرأة في هوة الأمل بالإقلاع عن المخدرات ترصدها كاميرا المخرجة بكل عفويتها وصدقها و انكسارها، واضحة، شقية، ضائعة، وسط قسوة الإدمان ومحاولاتها الفاشلة بالتخلص منه.
وفي النمو القصصي لهذا النموذج يحكم المشاهد على ما يلتقطه من تصرفات و مواقف من منطلق عاطفي أو واعظ ربما، إلا أن كاتكا لم تكن بمثل هذا المنطق، تواصلت مع كاميرا المخرجة كأنها لم تكن، بل أهملتها لدرجة أنها بدأت تفقد وعيها وتوازنها في السنوات الأخيرة إن أسعفتها الذاكرة وعلمت أن المرأة التي تشاهد حكايتها هي نفسها هي، تجولنا مع كاتكا في شوارع البغي، عندما أوقفت الكاميرا بعيداً عنها لتثبت سهولة وانحطاط المجتمع في استغلال المرأة المدمنة، كانت تقول (الحرية هي السعادة) ثم تبكي وتضيف: (لا أعرف الجنس على السرير، لكني أحفظه على كراسي السيارات) كل ملامح كاتكا كانت تتهاوى وتموت أمام يتم الإرادة وقهر الحاجة، سنوات تمر وكل ما يهم كاتكا هو كيف يمكن أن تجد مالاً لتسد رمق خدرها..
هكذا طيلة سنوات كلما جربت المجيء إلى مراكز إعادة التأهيل والتخلص من الإدمان تعاود الكرة و تهرب، إلى حين تكتشف أنها حامل، وهنا يتغير مسار الحكاية فيزداد يأس كاتكا والخوف من حرمانها طفلها، وهذا فعلاً ما يحدث إذ تكمل مسيرتها في تعاطي المخدرات وتتصل بالمستشفى بعيد ولادتها للاطمئنان على الطفل لكن بلا جدوى..
نلاحظ في فيلم “كاتكا” التسجيلي انسجاماً حيوياً وإصراراً واضحاً على تقصي الأمكنة والخربات التي كانت تقيم فيها المرأة المدمنة مع شريكها المدمن البوهيمي الشرس الذي قال حين سألته المخرجة خاطفة عن سبب إدمانه هو الآخر على المخدرات أجاب ( كنت أظن أن المخدرات تعطيني أجمل ما يكون في العالم، ولكني حين رأيت ابنتي من كاتكا أدركت أن هنالك أشياء أجمل من المخدرات بكثير..)
زواريب وقاطرات مهجورة تشحن روح المشاهد بأسى والوحشة، التي تتجسد في ملامح وجه كاتكا المتضخمة نحو تفاصيل رجولية قد تفقدها أي أمل بتطوير ذاتها، وهذا التغير يلحظها المشاهد منذ أول لقطة أخذت لها عام 1996حتى ختام الفيلم الذي يرصدها في عام 2009 بعد مشاهدتها لفيلم عنها برفقة المخرجة وهي تبكي كأنها ستنفجر بعد قليل.!
تقصد الفيلم نموذجاً بشرياً جاداً يحمل دلائله الاجتماعية على التبدل والتحول في الظروف القاسية التي تولد من انفعالات بسيطة تتحول فيما بعد إلى انهيارات حياتية لا يمكن تفاديها، وكلما كان الإيغال في تفاصيل هذا النموذج مقنع كما رأينا كلما أدركنا مدى بطولة سينما الواقع في فتح جروح الإنسانية على الملء وبالألوان، ولعل صراع كاتكا للحصول على ابنتها هو أكثر ما يبدو ملفتاً في كشف قوانين سليمة تضمن للطفل حقه بالعيش بيد المؤسسات الرسمية حين يعجز أبويه عن رعايته لعدم مقدرتهما على تربيته تربية سليمة وصحية واعية، ولكن كاتكا ضحية عصيان أمها ومراهقتها، لم تخطط مسبقاً أنها ستكون في المستقبل مدمنة! إنما قطعتها مشارط القدر إلى جزيئات حزينة من الألم الإنساني الذي لطالما أذهلنا في مربع الشاشة البيضاء حيث اندلقت حياة كاتكا للعالم كمياه ملوثة بالجروح والخيبات.
