“الــقـــطـــــــار الأخـــيــــر إلـى الـمــنـــزل” انـهـــيـــــار مـعــيــشــي فــي زحــــام الــصــين

عمر الشيخ – دمشق
النهار اللبنانية
الأربعاء 09 آذار 2011
العدد 24148


بالرغم من السجالات العنيفة التي نشبت على خلفية وفاة المخرج السينمائي التسجيلي السوري عمر أميرالاي، بقي السينمائيون السوريون يتناحرون على أهمية أميرالاي التي حاول مدير مؤسسة السينما محمد الأحمد النيل من هيبتها حتى اللحظات الأخيرة قبيل إطلاق الدورة الرابعة لمهرجان “Box Dox” في دمشق الذي قدّم فيلم “القطار الأخير إلى المنزل” للمخرج الصيني ليكسن فان كعرض افتتاحي، بناءً على اقتراح أميرالاي الذي رحل منذ أسابيع وفي نفسه مشروع فيلم تسجيلي عن النجمة السورية إغراء.
فيلم “القطار الأخير إلى المنزل” ليس مجرد نظرة استثنائية على أحد أكبر التجمعات السكنية في العالم وحسب، بل يكشف لنا نموذجاً قاسياً عن الصراع الاجتماعي الذي يعيشه أبناء القرى في هجرتهم السنوية إلى المدن الكبيرة بحثاً عن لقمة العيش.
يبدأ الفيلم بلقطة عامة في محطة قطار مأهولة بثلاث سكك حديد، مطلع عام 2006 في إحدى المدن الصينية، قبيل أيام من عيد رأس السنة الصينية، حيث يتدفق أكثر من 130 مليون عامل سنوياً ليتجمعوا في هذا المكان لتمضية العطلة السنوية مع أهاليهم في القرى والضواحي البعيدة عن الحركة الحيوية في مدن الصين الكبيرة. نجول مع كاميرا المخرج ليكسن فان في رصد تصاعدي للوجوه القلقة التي تنتظر دورها في اعتلاء أقرب قاطرة إلى جانب عشرات العمال والحقائب، بعيداً من أي محاولة تنظيمية لضمان الدور وترتيب الجلوس في الأماكن المخصصة للمسافرين. الناس هنا يبحثون عن فرصة لتجاوز حاجز الشرطة التي تنظم هذه الحركة الكبيرة.
مشهد كثافة الناس يشعرنا بأننا أمام كارثة إنسانية قد تحدث بعد لحظات، لكن تلك التجمعات هي لعمال المصانع المهاجرين، حيث نلاحق مع المخرج قصة حياة مفككة لعائلة مهاجرة تعيش هذا الرحيل الموسمي، على أمل تأمين مستقبل أفضل لأطفالها. لكن هذا الغياب هو بالتحديد ما يهدد أحلام الأطفال، فنرى أن عائلة آل جانغ المؤلفة من أب وزوجة وطفل ومراهقة وجدة، هي محور شهادات الفيلم من خلال حكاية الصورة وانفعال شخوصها الواقعي، بحيث أننا نتتبع مع الأب والزوجة مراحل السفر واليوميات الصعبة في غرف العشوائيات التي تعلو أحد مصانع سراويل الجينز، مكان العمل الدائم للعائلة. بُعيد سنوات نلاحظ نمو المراهقة كين وتمسكها بحرية البحث عن مستقبل مستقل، بعيداً من أجواء المدرسة والقرية والزراعة. تحاول الجدة التي تتولى تربيتها إلى جانب أخيها الصغير، تغيير رأيها في الابتعاد عن الدراسة والقرية، إلا أنها تفشل في ذلك، كما يحاول الوالدان أيضاً إقناع ابنتهما بضرورة إكمال تعليمها ولكن بلا فائدة. تترك كين المدرسة وتهاجر في ظل غياب رعاية الوالدين، وتبدأ صراعاً جديد في عملها كساقية في أحد بارات بكين، تاركة خلفها مراهقتها وحقها في التعلم في سبيل البحث عن الذات والاستقلال.
أبرز ما يوصله الفيلم من هندسة وصفية لأحوال أولئك العمال، هو الانقلاب الاجتماعي الذي عصف بهم مطلع عام 2008 إبان الأزمة الإقتصادية العالمية، إذ نشاهد مقاطع من صالة الخياطة والتصميم وبعض المصانع قد أكلها الغبار والخواء، الأمر الذي عكس صورة “نيغاتيف” لما قدِّم في بداية الفيلم من زحام البشر الباحثين عن لحظة حياة كريمة.
سردية وقائع الفيلم تقارب تزاوجاً حيّاً بين تركيبة سينمائية مباغتة ورصد خفي لعدسة التصوير العابرة إلى ملامح قهر إنساني وصدام ملحمي في إحدى أكبر دول العالم تصديراً لمنتجات الاستهلاك البشري، التي يفترض أن ترفع مستوى المعيشة نحو الأعلى، بالتوازي مع عائدات التصدير العملاقة إلى العالم. فالتحليل الاقتصادي الخفي الذي يحمل تلك التوليفة البصرية الناتجة من خلل بنيوي في تكوين الكوادر البشرية، يصبح في ما بعد نتيجة حتمية لتصوير أفلام كهذه، تكشف عن سياسات مقصودة لفرض السلطة والتحكم بالشعب وإفقاره بهدف السيطرة عليه.

أضف تعليق