الجمعة 10 كانون الأول 2010
النهار اللبنانية.
عمر الشيخ – دمشق

اختتم مهرجان دمشق المسرحي دورته الخامسة عشرة تاركاً خلفه ثغراً مختلفة في اختيار العروض وتوقيت عرضها. لسنا في صدد تحميله أعباء أزمة المسرح السوري، ولا شك أن تظاهرته كحراك ثقافي جماهيري ساهمت في نبش روح التلهف المسرحي.جاءت خسارة العروض على حساب بعضها نظراً الى تضارب توقيت العروض في الصالات. لم يسمح بسوى أربع ساعات يومياً للعروض التي وصل رقمها الى اثنين وثلاثين عرضاً معظمها سوري. لم يكن ثمة جوائز ولجان تحكيم لأن المنافسة غائبة، لجنة التحكيم هي الجمهور، وإمكانات المهرجان المتواضعة مادياً لا تسمح بتقديم جوائز وتبني عروض تقدم للمرة الأولى عربياً أو محلياً، باستثناء عرضين أو ثلاثة أدرجت في ما بعد كعروض أولى لتأخر بروفاتها حتى موعد انطلاق المهرجان. امتدت مسرحيات المهرجان ابتداءً من السادسة مساءً حتى التاسعة، وصدف في معظم الأيام توافر أكثر من عرض عربي ضمن توقيت واحد، هو السابعة مساء في ثلاث صالات ضمن دار الأوبرا، الأمر الذي جعل ضياع فرصة مشاهدة كل العروض مظهراً قهرياً عبّر عنه جميع المشاهدين باستياء واضح.بعد تقديم العروض كان يقام في اليوم التالي ما يشبه الندوات النقدية التي تتناول تساؤلات الجمهور من نقاد وصحافيين، لكن الندوات كانت بمثابة جلسات تنظيرية تسهب في سرد رسائل المخرج الرمزية التي يخطئ المتلقي دوماً في التواصل معها! وعلى بساطة ما قيل، كنا نتمنى لو دوّنت تلك الجلسات في كراسات ليتسنى للجميع الاطلاع على مجرياتها، على رغم اتسامها بالمدائح والمجاملات لأصحاب العروض وضيوف المهرجان.لم تفعّل تلك الندوات المراكز الثقافية في العاصمة دمشق التي تتجاوز الخمسين مركزاً، بل بقيت ورش النقاش حول العروض محصورة ضمن فندق “الشام” ولم تتفاعل مع كل أطياف الجمهور كما أنه لم يعلن عنها بشكل جدي وحقيقي.أصدر المهرجان مطبوعة “المنصة” للاحتفاء بعروضه من دون السماح لأي أحد خارج فريق التحرير بالكتابة سلباً عن أي عرض رديء أو جيد. فقد تحمّل موظفو مديرية المسارح وبعض الصحافيين الذين هم على صلة مع المشرف على تلك المطبوعة، ملء صفحاتها بالصور الكبيرة والمجاملات الخجولة والقصيرة الخالية من أي حس مهني صحافي أو نقدي أو تفكيكي حقيقي لأكثر عروض المهرجان.لم يروج للمطبوعة بشكل مقنع لأنها تتسم بالطابع المطبّل والمزمر، ولم يأخذ كرّاس التعريف بعروض المهرجان على محمل الجد، فقد اكتفى فريق إعداده بكتابة نبذ عن العروض لا تتصل في أي شكل من الأشكال بما شاهدناه من مسرحيات. ففي موجزه ضياع أكثر منه تعريفاً، إلا إذا اعتبرنا أن صف فريق عمل المسرحية والممثلين جهد يؤخذ به فعلاً! لم تجمع مقالات نقدية عن العروض المستعادة وخصوصاً للمتفرج الذي لا يعرف معنى السينوغرافيا أو المسرح التجريبي أو مسرح العبث وغيره.ثلث عروض المهرجان كانت سورية، بالإضافة إلى عروض تظاهرة منصة حوض المتوسط التي ربما أتاحت فرصة رؤية عروض من فرنسا وتركيا وقبرص وتونس ولبنان وسوريا، مقنعة وجيدة للغاية، مثل العرض التركي “مكان ما في منتصف العالم” والعرض السوري “نيغاتيف”. اختلفت تجربة تلك العروض إلا أن معظمها مستعاد، وبالكاد استطعنا متابعة عرضين من تلك التظاهرة بسبب الزحام، لكن السؤال هنا: هل يستحق هذا الزحام إطلاق معيار المنافسة؟إذاً المزحة هي “تنافس وهمي”، لأن المراهنة على كسب جمهور حقيقي فقط تبدو شبه معضلة، ثم إن أكثرهم كان يعتبر مهرجان المسرح بمثابة نزهة للبحث عن ظل ضحكة أو بعض التنكيت. ربما كانت المنافسة هي إعادة ثقة الناس بالمسرح فقط. لم يبحث المشاركون في المهرجان من فرق وفنيين وضيوف عن أي مردود معنوي أو مادي عيني على الملأ بل اكتفوا بحب هذا المهرجان (العريق).أبرز ما انطوت عليه عملية الإنعاش، أن يقام مهرجان دمشق المسرحي مرة كل عامين، وهذا من شدة ضعف الإمكانات المالية والإدارية. فحفلات الافتتاح والختام كانت من عروض قديمة، كما حدث في حفل الافتتاح حيث قدمت “الإلياذة الكنعانية” كلوحات راقصة، هي التي قدمت طوال العام بشكل دوري ومجاني، وكذلك الأمر بالنسبة الى حفل الختام حيث قدم عرض “عالم الدمى” عن فكرة مستهلكة تتحدث عن علاقة الإنسان بالدمية وكيف جاء المسرح كصيغة لذلك وعبر فرق مغمورة.اعتبر الهواة هم الأكثر حظوة في هذا المهرجان، سواء في تجريب الكتابة الصحافية عن المهرجان كما في مطبوعة “المنصة”، أو في إخراج مسرحيات شاركت في المهرجان كما في مسرحية “حكاية بلا نهاية”، أو في كتابة نص ساذج عن حكاية امرأة تجمع الحطب وتواجه حارس الغابة وتحبه بقصة هندية كما في مسرحية “كلاكيت”.كان هنالك حنين الى خشبة المسرح كشف عنه معظم نجوم التلفزيون، لكن هذا الحنين جاء من نصيب العروض التي لا تضيف بقدر ما تؤكد للنجوم أنهم كومبارس أو لوغو لحضور جمهور.عاشت دمشق طوال أيام المهرجان زحاماً جماهيرياً يستحق التصفيق، ومزحة المهرجان تبدو مخيبة ولم تضف كثيراً الى عملية الإنعاش وخصوصاً أن النماذج التي تابعت المهرجان كان أغلبها من الباحثين عن مضيعة الوقت، والدليل خروج سبعين في المئة منهم بعد مضي عشر دقائق من أي عرض نظراً الى جهلهم بالتلقي المسرحي
اختتام مهرجان دمشق المسرحي الـ15 مزحة مسرحية تكشف إنعاشاً عاجزاً!
0
