“راجعين” على خشبة “الحمراء” في دمشق النص يبتلع الإخراج عندما يعود الشهيد الى الحياة

عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأربعاء – 3 – تشرين الثاني – 2010
العدد 24212

من مسرحية راجعين
من مسرحية راجعين

لم يتعب المخرج أيمن زيدان كثيراً في صناعة عرضه المسرحي الجديد، فقد تداعت الحكاية منذ لحظتها الأولى في رصد مجموعة من الرجال يجلسون قبالة الجمهور، كناية عن وجودهم على منصة مقهى وهم ينشدون مواويلهم، ولا تعنيهم حال الشيخ الذي يجلس قرب القبر في الزاوية اليمنى للخشبة. ثم نشاهد تحولات ضيعة تعيش ما بعد حرب التحرير، فتقام الأعراس والطهور ولا أحد يكترث بأحوال الذين رحلوا أثناء الحرب، وعندما تظهر إحدى فتيات الضيعة لتسأل عن حال الشيخ وسط أخذ الرجال وردّهم على مواويل العتابا والميجانا، نجد تفاعل الشيخ الخجول مع باقي أهل الضيعة، لأن قضية ما تشغله منذ رحيل ابنه.
تحاول الفتاة إعلام الجمهور بطريقة غير مباشرة بأننا نريد أن نستمع الى حكاية الشيخ وابنه الشهيد الذي وعده بالعودة الى القرية والحياة، فتشدد على مشاهدة الحكاية والحياة المستمرة كتبرير أولي لإدخال لقاءات الشيخ مع بعض أفراد الضيعة واستمرار الحياة اليومية، من حركة بيع على عربة عابرة إلى وصول مسؤول مهم حتى ولادة امرأة لا تنجب إلا البنات. شكلت تلك التداخلات بحضورها السريع نوعاً من كوميديا السكتش المرطبة.
النص مأخوذ عن الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار، بعنوان “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، وقدِّم على خشبة “مسرح الحمراء” في دمشق بتوقيع أيمن زيدان، مع بعض التعديلات ليصبح عرضاً مسرحياً بعنوان “راجعين”. يطرح سؤالاً وصفه البعض بـ”المجنون”، عن كيفية استقبال الشهداء مرة أخرى في الحياة وصدى تقبل الناس لهذا الحدث. يكشف العرض كيفية التعامل مع قصة شيخ استشهد ابنه في حرب عام 1973، ليراه مجدداً وقد أرسل اليه مكتوباً يؤكد فيه أن عودته قريبة جداً الى الحياة، ويدعوه الى أن يجهز له مكانه في البيت، وأن يخبر كل أهل ضيعته بعودته. لا يتقبل أحد تلك الفكرة إلا من باب أن الرجل قد أصيب بالتخريف، لكن المسألة لا تتعلق بصدقية العودة، إنما هي فضيحة إنسانية تبيّن كيف يستفيد بعض الناس من دماء الشهداء، إذ يطالب أحد المسؤولين عن الفرق الحزبية في القرية، بأن على الشهيد عندما يعود إلى الدنيا دفع اشتراكاته الحزبية وتقديم طلب انتساب من جديد للحزب!
يتنقل الشيخ من شخص إلى آخر ليعلمه بأن ابنه الشهيد سيعود قريباً، كلٌ يتعامل مع هذا الخبر من مبدأ أناني يبرر فيه أن هذه العودة تترتب عليها ضرائب مادية ومعنوية عديدة، أبرزها إرجاع كل ما كان متوافراً لعائلات الشهداء من دعم. نشاهد كائنات تستقيل من أدوارها كبشر لتتحول ذئاباً وضباعاً عندما يولد حلم عودة الشهيد!
وضع المخرج بداية عرضه على عتبة السرد النمطي الذي سبق أن تناوله مسرح دريد لحام وغيره، إذ نرى حكاية رئيسية وقد تضمنت قصصاً مصغرة لا ترتبط بالجو العام للفكرة بقدر ما تُخرج المتلقي من حالة السرد الواحدة، أمام تهريج حيادي يعتمد على إيماءات وجوه الممثلين وعبارات التنكيت الذكية التي لا تخلو من قدرتها اللغوية والتعبيرية على السخرية السياسية المضحكة.
استقرار
حتى اللحظات الأخيرة من العرض، لم يضطر المخرج إلى تحريك أي قطعة من الديكور أو حتى تعتيم الخشبة للانتقال من حالة مشهدية إلى أخرى، علماً أن هذا التحريك وسط حكاية روائية كفيل أن يفتح احتمالات التعديل والتغيير في نص العمل المكتوب، وجعله أكثر حيوية، لكن قطع الديكور بقيت مستقرة ولم تساهم كثيراً في إدهاش المتلقي وإغناء العرض، عدا أن النص الأصلي حمل عبارات مضحكة ضمنت رضا الجمهور كلياً عن التهريج الذي افتعل أمامه.
استخدم المخرج زيدان فرقة موسيقية مؤلفة من ثلاثة عازفين للاستغناء عن الصوت المسجل مسبقاً ليتخلص من التقنيات المعاصرة وليتقرب من روح المسرح بجعل كتلته الفنية ملموسة إلى حد ما بالنسبة الى المتلقي.
التفكير في استخدام نص مستحيل التصور ليتحول مسرحية، من مثل “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، مغامرة كبرى لا تخلو من ثغر بصرية تساهم في تركيبة النص مسرحياً ليلائم محيطه البشري. ظلت مخيلة الكاتب حاضرة أمام أعيننا مذ دارت الحوارات بين الشيخ وباقي أفراد الضيعة، وراح ذاك النسج الروائي المحترف يجعلنا نتخيل أكثر مما صممه زيدان لعرض “راجعين” بنكهة سورية بحتة.
لم يتخلص المخرج من أبوة النص، ولم تأتِ حلوله الإخراجية بالمعجزات، بل بقيت بسيطة، استندت كثيراً على متانة السبك القصصي وغرابة فكرته. عدا أن إشراك نخبة من نجوم الدراما التلفزيونية جعل العرض فرصة جماهيرية لرؤية القدرات الكوميدية لنجوم قلما يشاهدون على الخشبة بكامل طاقتهم الفنية. في المحصلة يكفي أن يقال: إن ثمة عرضاً للمخرج أيمن زيدان. فمحبو هذا النجم يتلقفون أعماله بوصفه أمبراطوراً عربياً للدراما التلفزيونية وقد سبق أن قدم مسرحاً كوميدياً مختلفاً كثيراً عما رأيناه في هذه المسرحية.
يذكر أن العرض من اقتباس أيمن زيدان وإخراجه، وتمثيل زهير عبد الكريم، محمد حداقي، لمى حكيم، حازم زيدان، أدهم مرشد، وآخرين.

أضف تعليق