عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الاثنين 29 -11-2010
العدد 24235

سبع عشرة نافذة مشغولة بإيقاع تجريدي، يفتحها التشكيلي السوري إبراهيم جلل على جدران صالة “رفيا” في دمشق، وهو المعرض الأول له في بلده منذ سبعة وثلاثين عاماً، يستعيد فيه علاقة المكان بالحنين من خلال منظومات لونية تتوزع على بقع شطرنجية يظهر من خلالها التكوين الحسي للتفاصيل المتعلقة بالتراث البصري السوري، كالزخرفات النباتية المتناثرة على مطولات متناسقة، والنقش البيئي الذي يحمل في مزاوجته للألوان المشرقة ارتباطاً وثيقاً بين غربة الفنان في باريس وأيام صباه في وطنه، فيأتي اللون الأخضر كناية واضحة عن الولادة الأولى للطبيعة، بالتوازي مع شروخ لونية تزداد كلما اتجهنا نحو عمق اللوحة أكثر. مرةً، تظهر ثياب المدرسة الزرقاء، ومرة أخرى تناورنا الخطوط المعشّقة لأباريق النحاس كظل أبيض على يسار اللوحة.
تبدو اللوحة كما لو أنها أغنية فينيقية، مقامها السمعي هو التفاوت بين الألوان الباردة والحارة. ففي لوحة عنوانها “مدينتي، حلم، ذاكرة ومستقبل”، يتصاعد اللون الأحمر الناري في اتجاه الأسفل، ممسكاً بفتحات النوافذ العشوائية على أشكال وجوه تتلاقى فيها أنوثة الفرس، وأمومة الغصن وألق المآذن. فالحلم حصان يستعد للغابات الحارة في سهول العاطفة، والأشجار تمنح أغصانها ظلاً رشيقاً للشمس ووتراً اسمه الذاكرة. أمّا في “دمشق ملكة الشرق”، فيجسد الفنان واجهة البيت الدمشقي الداخلية الأبرز، بدايةً بأقواس الليوان مروراً بشبابيك الغرف المتعددة الأحجام، وصولاً إلى الزجاج المعشّق بالألوان الخريفية، حيث تطالعك دفقات من تدريجات اللون الأصفر كأنها تغفو خلف ألق الغروب لتعكس حوارية الضوء واللون عبر مربّعات تجريدية تستحضر مزق القماش التي كان الفنان يشاهدها على أثواب نساء قريته كفر نبل، شرق البادية السورية، بالقرب من إدلب، فتدخل تلك الألوان لترفو بحيويتها هدوء الصحراء في فسيفساء دمشقية مزدحمة بالنقوش الحريرية التي تفسر ثقافة المكان وتأثيراته على الطباع الباريسية الحاملة تجربة الفنان ضمن الامتداد بين الشرق والغرب.
عزف
كائنات في حجم أصابع الأطفال، مساحات يتناظر بعضها قبالة البعض الآخر في لوحتين بعنوان واحد: “موسيقى داخلية”. في الأولى يتراقص اللون الأحمر الناري حول تقاطعات داكنة من اللون السموي، بفوضى بصرية تحاكي مشهداً مكبّراً للنقوش المنوعة فوق أجساد الآلات الموسيقية الشرقية، أمّا في الثانية فيبدو اللون الأزرق القاتم أكثر انتظاماً وضبطاً لإيقاعه، إذ يحتضن مفاتيح لبيانو أخضر وقد نبتت فوقه ظلال سوداء صغيرة الحجم تتقاطع مع كتل بصرية متسارعة، كأنما الأعشاب طاولة للروح تعزف فوقها صوراً زيتية لطفولة قديمة استيقظت للتو على ألوان باريسية. العملان يجمعهما الفنان كنافذتين بالحجم نفسه، إلا أن لهما خصائص موسيقية مختلفة، يحاول دمجها بلونين متضادين يناور أحدهما على حساب الآخر وتهرب من الأول مساحات البياض الصغيرة لتحتل بقع الأخضر الثاني.
هنالك تفاوت تقني في أعمال جلل الأخيرة، إذ تبدو تواريخ اللوحات مختلفة زمنياً، منها ما رسم قبل عقد ويزيد، ومنها ما رسم قبل شهور من الآن. هذا الرصد الجماعي لما اختاره الفنان، يريد أن يقول من خلاله إن صفحات الذاكرة بطيئة العبور إلى اللون وعوالمه الروحية، وإن كل هذه المساحات بين الصحراء السورية والحدائق الفرنسية ما هي إلا عزف حسيّ على نوافذ الذاكرة، لكن تفاوت الأزمنة في جمع تلك الأعمال كان له سر خفي يتعلق بطفولة ملونة نسيها الفنان على عباءات النساء البدويات هناك، حيث يلين الشوك ويصبح أغنية فوق بيوت الشَّعر ومعلقات القصب والقش المزخرفة بعفوية وصدق.
