أنا… أنت… الإنسان” عرض قطري في دمشق… بشر من رمال فوق نص متخبط!

النهار اللبنانية
العدد 24242
الاثنين 6-12-2010
عمر الشيخ

من العرض القطري أنا أنت الإنسان
من العرض القطري أنا أنت الإنسان

ضمن نشاطات اليوم الأول لمهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر قدمت دار الأوبرا بدمشق عرضاً مسرحياً عنوانه “أنا… أنت… الإنسان) من قطر، يرصد تجربة الغوص في أفكار فنان يرسم على الرمل، من خلال ثلاث لوحات مرئية كتبت بتصور سوريالي، على أن عناصرها ستتحول حكايات لبشر من لحم ودم أمامنا على الخشبة. الرسّام هنا هو بطل هذه النقلات المفاجئة التي تبدأ عند اللوحة الأولى بعملية ولادة لشخوص المسرحية، وذلك من خلال توزعها جثثاً ممددة فوق الرمال، إلى أن ينفث الفنان الروح فيها وهو يحركها بضربات الرمل الذي يشكل بدوره أداة رئيسية تتجمع فوقه أحداث العرض وحركات شخصياته. منه يتشكل الشاطئ المحاذي لمركب مجسد في صدر المسرح، نشاهده بإسقاط غرافيك متتالٍ عند فاصل كل لوحة. الرمل يقوم مقام الألوان والماء والهواء، ويشكل الفنان من خلاله قصصه ورؤيته عن الموت والأنانية والفلسفة والفقر. إلى أن تخرج شخصيات لوحاته من مكانها التلقائي على الرمل إلى الحياة. هكذا يقطع العرض شوطه الأول بعملية بث لأرواح سبعة رجال وامرأة، بالتزامن مع إيقاع موسيقي يمسرح من خلاله الممثلون حركاتهم وفق صخبه. نلاحظ قاطرة من الرقصات المتوسلة تكشفت عن فتور بصري يدل على تصعيد العرض إلى درجة الحكاية المتسلسلة، حيث نشاهد سطوة الرسام على رماله التي تحولت بشراً يحركهم كما يريد حتى يفلت الأمر عن سيطرته. تولد هنا الحكاية الثانية التي يجسدها رجل فيلسوف مع زوجته، يظهر وهو يتأبط كيساً يحتوي على حبتي سفرجل فاسدتين، يأكلهما مع زوجته، لأنه أدرك أن تلك الفاكهة هي الشيء الوحيد الذي يشترك مع زوجته في حبها. نرى صراع الإنسان وخصوصاً الفيلسوف مع غرائزه ورغباته وعذابه، حيث يقدم للبشرية نظريات تخدم أفكارهم طوال الحياة ولا تساهم في إسعاده يوماً. يخرج الرسام مرة أخرى لينهي اللوحة نهاية سوداء، ساخراً من حياة الفيلسوف المريرة، فيعود ويقود مجموعة الممثلين الى الخشبة ليشكلهم من جديد في حياة أخرى تمثلها اللوحة الثالثة. هذه اللوحة تلقي الضوء على حياة رجل وامرأة يعيشان في بيت، نوافذه تطل على مقبرة. تطلب المرأة من زوجها أن ينقلها إلى بيت في بلاد لا توجد فيها مقابر، فنكتشف أن تلك البلاد هي التي يأكل فيها الناس لحم بعضهم البعض، كناية عن الغدر وموت الإنسانية. آنذاك يفضل الزوجان العودة إلى بيتهما المطل على الحياة الضيقة بدل أن يعيشا في بلاد واسعة يأكل الناس فيها قلوب بعضهم البعض.
خلل لغوي وتقني في النص
النص يعاني من ضعف دراماتورجي، إذ نُقلت الحوارات وتفاصيل المشاهد من الورق من دون مراعاة إعادة تكوينها الفني على الخشبة. يزدحم الشكل النهائي للنص بالتكلف الذي يثقل على الحبكة القصصية، ويطرح أفكاراً لا تتقاطع، سوى أن رساماً مزاجيّاً يعاني السواد الحياتي يفرض على شخوصه الرملية أن تصبح مثله. هل جاءت كتابة النص بجديد؟ ردود الفعل بديهية للغاية ولا تحمل أي بصمة خاصة. فكرة العرض تقوم على جدليات فلسفية لم يستطع النص الإحاطة بها بشكل مقنع، فالفكرة هنا قائمة على طرح سوريالي بحاجة إلى اشتغال بصري أكثر دقة، حيث لم نستطع فهم أكثر الرسائل الرمزية في الحوار، لاختلاط اللهجة القطرية المحكية باللغة العربية الفصحى المكسرة، فجاء الفصام السمعي كعائق مستمر للتواصل مع معظم المشاهد والتعابير اللغوية. من ناحية أخرى بدا شطط الحكايات الثلاث، بمثابة قصة هندية يمكن الاستغناء عن معظم حشوها السردي، وذلك عبر الاعتناء المختلف بأجوائها إخراجياً.لا نعرف ما سبب غياب العنصر الأنثوي عن العرض، والاكتفاء بحضور ممثلة واحدة، حيث تسبب ذلك بخلل واضح في توازن بنية العرض اجتماعياً، إذا لا يمكن التقاليد في قطر جعل الرسام يتخيل امرأة واحدة فقط في فضاء مفتوح! أضف إلى أن الإضاءة لم توظف بدقة حيث كنا نشاهد اللوحات المجسدة أمامنا في حكاية درامية لا تختلف كثيراً عن فضاء التلفزيون المستهلك. فالاكتفاء بإضاءة مساحة الخشبة بلقطة عامة على كل الشخوص، كان كفيلاً إبعاد التركيز الفني على ممثل بعينه عن مخيلة المتفرج ليظهر كما لو أنه يستعد لبروفة تفتقر الى رهبة المسرح وخصوصيته. هنالك تداخل تقني بين حاجة النص إلى مساحة كبيرة وما خُصص له من قاعدة ضيقة للغاية لا تكاد تصلح للتدريب. فجمهور المشاهدين يرتفع على درجات أربع حول مربّع مغلق يمثل خشبة العرض التي احتشد عليها ديكور متواضع يمثل غرفة للوحتي الفيلسوف وشبّاك المقبرة وثمانية أفراد في ظروف تقنية أضعفت من مساحة حريتهم في الانفعال، خوفاً من قذف الرمال من مربع خشبة المسرح إلى وجوه المشاهدين الذين يبتعدون عنهم سنتيمترات قليلة. هل يعتبر هذا من شروط المسرحية أم أن إدارة مهرجان دمشق المسرحي لم توفر صالة أفضل بسبب زحام العروض السورية على الصالات المتسعة ذات التقنيات الأحدث؟يذكر أن عرض “أنا… أنت… الإنسان” من تأليف دلال خليفة، وإخراج فهد الباكر، وبطولة مشعل الدوسري، فهد القريشي، شيخة زويد، أمجد عيسى، عبد الله الزيارة، يوسف الكواري، حسن صقر وآخرين.

أضف تعليق