هاكون غولڤاغ يعرض في الثقافي الفرنسي بدمشق من النروج رسالة فنّ الى أحزان فلسطين

النهار اللبنانية
الأربعاء 27 تشرين الأول – 2010
العدد24205
عمر الشيخ

من أعمال هاكون غولڤاغ
من أعمال هاكون غولڤاغ

الأرض المقدسة”، هكذا شاء الفنان التشكيلي النروجي هاكون غولڤاغ أن يسمّي معرضه في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، راصداً من خلاله مفهومين اجتماعيين: انتهاك أماكن الديانة واضطهاد الإنسان المرتبط بتلك الأمكنة. فقد وجد في فلسطين المحتلة ما يلفت عبر مجازر الصهاينة التي ترتكب في حق المدنيين الفلسطينيين المقيمين هناك، فكانت مادته الفكرية تتمحور حول تحويل تلك المشاهد اليومية للأطفال القتلى تحت عربات الاحتلال وبنادقه مكوّنات تشكيلية لفضح وحشية إسرائيل والوقوف ضد الظلم بتجميعه على ألوان زيتية خضراء داكنة وخمرية ممزقة بجراح الفلسطيني المقتول ألف مرة هناك.
تنهمر الخوذ الخضر على مجموعات من الأجساد النحيلة التصقت في سواعدها رشّاشات الرصاص، وقد اصطفت الشخوص على شكل مثلث مفتوح يعبر من خلاله ما يشبه الغصن على هيئة إنسان. أما جثث الأطفال فمجرد ظلال تحت وابل الحقد يمطره أولئك الجنود الواقفون فوق أسوار الحكاية القديمة التي تزعم حقوقاً في الأرض.
تبدو أفكار غولڤاغ واضحة ومفهومة على صعيد تطبيقات اللوحة لديه، ولشدة بساطتها تحقق تركيباً تقنياً متوازناً بين تصور حالات مختلفة يعيشها الفلسطيني كل يوم وردود أفعال محيطه القهري. فمرة يتحول عالمه زنزانة ضيقة تنحشر فيها الدواب وأشجار الشوك والنوافذ المفتوحة على الجحيم، باستثناء لوحة تطل على كوكب الأرض، كوكب الإنسان الذي سكت عن انكساراته الى الأبد. ومرة أخرى نشاهد تجمعاً لخوذ عسكرية تمثل قوات الاحتلال الإسرائيلية وقد “أنجبت” خوذاً عسكرية صغيرة وهي تحاول أن تعلمها كيف تفتق هواء العربي بدم بارد، حتى ولو كان العربي سجيناً فمن حقها كما تزعم أن تقتله وتتمتع بمشهد تهشمه وتلاشيه، وذلك من خلال قضبان عرضية تتحكم باللوحة وتقسمها نصفين، بحيث نشاهد زحام الخوذ يطل على أمّ ورضيع تغيب ملامحهما وتذوب شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي اللوحة بمشهد قاسٍ يحاكي عنصرية إسرائيل ويفضحها.
تقوم معظم لوحات غولڤاغ على معطيات لونية وكتل بصرية واضحة، فهو يستخدم الأسود كخلفية مستمرة لمجموعة من اللوحات، ثم شريط زيتوني غامق يقطع ربع اللوحة من أسفلها ليؤسس فوقه دلالاته الفنية التي يريد المتلقي أن يفهمها. هكذا تتنوع خياراته اللونية في بناء الفكرة ضمن منظومة من الألوان الشاحبة والغامقة يرافقها الأبيض الخفيف كفواصل توازن، تمنح التفاصيل حرية التمدد فوق قماش داكن يحكمه التعبير الدموي، تماماً كما في لوحة لجندي إسرائيلي ظهرت خوذته مزينة بالأغصان الخضر وقطرات اللون الأحمر، بينما يقوم بدق عنق طفل عارٍ لا يظهر من جسده المنقلب بشكل عمودي نحو الأرض سوى يديه اللتين ترفضان الذل وقدميه اللتين تضربان وجه الجندي الدموي ذاك. الألوان، لشدة تماهيها مع الموت، تبدو من الأسود ومشتقاته، حزينة بملامح مظلومة، مفتوحة على الاحتمالات.
يتنبأ غولڤاغ من خلال لوحاته بمصير تلك البيوت العتيقة في بيت المقدس وبيت لحم وكل المناطق الفلسطينية المقدسة، بتعبيره عن سفينة نوح التي تحتوي بحسب الحكاية القديمة على ذكر وأنثى من الكائنات الحية، من أصغرها حتى تصل إلى الإنسان. إلا أن الرحلة لا تكتمل بسبب الضياع المقبل لتلك السفينة الباحثة عن الأمان والسلم، فمسيرها على أمواج بحر من الدماء، يعلو بها بحسب موشور هندسي، ويقذف بكائناتها إلى النهاية على وقع القنابل الاسرائيلية وبوق القيامة.
تعكس هذه النظرة مدى قرب الفنان النروجي من هموم الشعب الفلسطيني وتأثره بالمشاهد البشعة التي يتعرض لها الأطفال، وتدهور معيشتهم الاجتماعية تحت ظروف سياسية تحكمها قبضة الاحتلال ومن ورائها حلفاء من باقي أنحاء العالم.
معرض هو رسالة فنية يهديها هاكون غولڤاغ الى أطفال غزة.

أضف تعليق