فارس قره بيت في صالة “تجليات” بدمشق تتدفق الأيقونات من الحلم إلى اللون

عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الاثنين 25 – 10 -2010
العدد 24203

من أعمال فارس قراه بي
من أعمال فارس قراه بي

إذا غابت الألوان عن صورة كنا حفظناها عن ظهر قلب، أفلا يمكننا إدراك شكلها بالبناء اللوني الذي من شدة محبتنا للوجه المسكون فيها نشعر أننا نستطيع وضع تلك الألوان حتى لو التهم الزمن نصاعتها وتباينها؟ هذا السؤال يبدو مناسباً للتحدث عن فكرة معرض الفنان السوري فارس قره بيت، في صالة “تجليات” الدمشقية. فلهذا الفنان قصة مع صورة أيقونة السيد المسيح كانت تحتفظ بها جدته، ولشدة محبتها له ولرسالة المحبة التي يحملها، بقيت تلك الملامح في ذاكرة قره بيت محافظة على سوادها وهدوئها الجمالي لأنها رمز، فقرر أن يستعيدها في حلم لوني ضمن سبع وعشرين لوحة مختلفة التركيب الهندسي واللوني.
تجسد أيقونة وجه السيد المسيح بأشكالها، تنويعات إيقونوغرافية متجاورة على رقع شطرنجية تحكمها تقسيمات روحية سعى الفنان إلى إظهارها، سواء عبر تكويناته النافرة من أكريليك ومواد ترابية، أو من خلال ضربات السكين فوق سماكات لونية تجعل مشهد الأيقونات على اللوحات تكراراً لشكل هندسي محدد بحيث تستمر الصلة بين الأشكال في كل اللوحة. يشكل هذا التكرار نوعاً من التحفيز يتوالد ضمن هذه الأشكال بصورة متجددة تخلق حواراً بصرياً تعبيرياً يأخذ اتجاهات مختلفة، لكنها تصب في اتجاه محدد.
تتشابه الوجوه لكن حضورها عبر الأسود أو اختفاءها فيه، هو نوع من التأكيد لقربها أو بعدها من العين أو الفكر. هي وجوه تتشابه في ما بينها، قريبة منا، تحاورنا، مثقلةً بالألم والرغبة في الخلاص من الأسود الذي تعيش فيه، والذي هو إشارة يمكن أن تأخذ أبعاداً حياتية وجودية، أو نفسية ووجدانية، كما في ذاكرة الفنان الطفولية.
يحاول قره بيت في هذا المعرض إعادة الألوان وبهجتها إلى الأيقونة التي يحب، فيجيء الحلم بألوان مشرقة تدخل في معالجة لونية بين البنّي والأصفر والأزرق السموي. فهو ينتمي بمخيلته إلى الأرض وألوان السماء حيث الموت أو الحياة وما بينهما فتتساقط أيقونته متجاوزة الدلالات الرمزية في اتجاه القول الروحي للمحبة.
مرونة الضوء
أيقونات قره بيت تحاكي في مضمونها الفكري اختفاء الوجوه وظهورها في العتمة والضوء، ومفاهيم ومضاتها في الباطن الروحي. نلاحظ هذا التقارب في حواف التشكيل النحيل لكتل اللون الرملية الممتدة بالطول نحو تفاصيل الأنف والعينين ومجسم الوجه. لتبدو الوجوه متفاوتة النوع في النظرة والإحساس والدفق الانطباعي، بالإضافة إلى غرق بعض هذه الوجوه في عتمة اللون بدرجة أكبر.
الأشياء في النور لا تغيب مباشرة. تحلّ الظلمة فجأة، لكنها تبقى عالقة في العين لبعض الوقت. ما هو مطبوع في الذاكرة ومنسي بمعنى من المعاني، يكون في حاجة إلى ضوء ما لجعله مرئياً. لو انتقلنا الى فهم معنى ظهور الصور وغيابها، في العتمة أو في النور، لوجدنا أن لا شيء يتلاشى بالمعنى الحرفي للكلمة، وذلك يقودنا إلى أننا ربما نتعايش مع محيط مادي من دون أن ندرك كثافة بعده الحسي. أعمال قره بيت تأتي هنا كمكاشفة ذاتية تصل بين تلك الحدود عبر مرونة ضوئية واضحة.
تحضر الشمس كحل إخراجي للوحات قره بيت، حيث يلعب بشكل رئيسي على كتلة اللون الأصفر فيوزعها بين لوحة وأخرى مستفيداً من مفهومها الرمزي في الحياة كقوة صارخة. فهو يقارب تزاوجاً شديد التنوع بين بريق الشمس الصفراوي الحار المرئي وبين تأثيرها الساقط على الأرض، لتولد أمامنا كألوان داكنة مثل تدريجات البني والأسود وشفافية الرمادي. هكذا تستولد اللوحات بعضها بعضاً، فكلما توقعنا أن ينفذ الحنين البصري للأيقونة بآلهة الشمس إلى دهشتنا، فاجأنا خموله الروحي وسلامه الحركي المرتبط مع فكرة الرمز.
هنا يعيد اللون الكموني تشكيل المشهد وتكرار الأيقونة بأحجام صغيرة مقارنةً مع باقي الأعمال، لنجد أن ريشة قره بيت تعلن فاصلاً بصرياً يضغط حجم اللوحة عبر وجوه مشوهة خارجة على مضمون المعرض كلياً، ربما هي قوة الأصفر الخريفي في سكونه وكآبته، أو هي ضربة الشمس المبشرة بالمحبة والحقيقة!

أضف تعليق