عبد الله مراد يعرض في صالة “أيام” الدمشقية عبث تجريدي يفتك بجذور اللوحة

النهار اللبنانية
الأربعاء 13 تشرين الأول
العدد 24191
عمر الشيخ

من معرض عبد الله مراد -2010 - (1)
من معرض عبد الله مراد -2010 - (1)

تتوقف الكائنات اللونية في اللوحة عن الحركة عندما تتداعى حيويتها لشدة ازدحام التفاصيل، وهذا تماماً ما يحصل في معرض التشكيلي السوري عبد الله مراد، في صالة “أيام” بدمشق، إذ نشاهد تشكيلات جسدية إنسانية ضمن خمس لوحات من أصل ثلاث عشرة لوحة تجريدية يعمل صاحبها أحياناً على تقنية نقل المحيط المادي من حياته برمزية هندسية، محركاً بعض الأشياء من مكانها، كوضع كرسي بقواعد قصيرة ومسند خفي على جدار مشوّه وقاتم، أو حشر وجوه بشرية بلا ملامح، وتكثيف الكتل اللونية لمعظم التفاصيل كنوع من التجريب التجريدي من خلال الخطوط المعمارية، محاولاً عبر إظهاره أصابع اليد وأشكال الجسد بوضعيات مختلفة في بعض اللوحات منح جملة معرضه حياة ما.
هذا ما لا يتحقق، بسبب حضور دفق بصري معقد يدل على طباع نفسية ترتبط بالعزلة والقلق. فكسر نمطية الأجساد البشرية وتحويلها شخوصاً هلامية على هامش اللوحة، يتركنا تائهين في تلوين عبثي لم ينضج، ناهيك بمساحة الحشر المقصودة التي يحاول الفنان من خلالها إغناء خواء اللوحة.
تجربة سابقة
لم نبحث عن المتعة البصرية أو المقولة الفكرية في أعمال مراد، لعدم دقتها وقوة إقناعها وارتباك حساسيتها الجمالية، وهذا شأن ذاتي مرتبط بالفنان نفسه، لكننا حاولنا التواصل مع منتجه الفني من ناحية روحية على الأقل. فمرةً نشاهد تعابير تزيينية تزخرف حضورها في المساحات العاجزة عن قول ذاتها، ومرةً تلفتنا المهارة الحرفية في محاولات الرسم. فالفنان هنا يريد أن يرسم لا كي تصبح تجربته أكثر خصوصية ولا ليخرج من شخوصه القديمة التي رسمها في منتصف الثمانينات، وإنما كي يقنع ذاته أنه لا زال يرسم، على الرغم من أنه يعيد في مجمل أعماله الحالية تجربة كان خاضها منذ عشرين عاماً. لكن ما يختلف، أن الأعمال السابقة كانت تتمتع بلمسة خاصة من ناحية البناء البصري للألوان وتركيب الفكرة ضمن الأسلوب، أما الآن فهو يخفي خلف لوحاته هذه، ظلال تلك الأعمال التي تتمتع بأشكال إنسانية أكثر وضوحاً في التكوين المجرد. وهذا الجمع بين الشكل واللا شكل، إذا جاز التعبير، كان بمثابة بحث آخر لم يصل إلى الكثير من النضج، لكن يمكن التأكيد أن مفردات اللوحة آنذاك كانت أكثر ثباتاً وتبايناً.
إذاً يمكن الجزم أن تجربة الفنان السابقة كانت بمثابة حالة للغوص ما بين الرسم العبثي الحر والتجريدي الحر، أما في هذا المعرض فإن البحث لا يزال مستمراً في التجريب غير المكتمل للأشكال الإنسانية ودمجها مع الانفلات الشكلي المبتكر للمحيط الحيوي الواقعي.
بعض الأعمال تعاني من خلل في توازن القيم اللونية، أي أننا نجد في إحدى اللوحات مساحة تشغل نصف القماش وقد طاف فيها اللون الأخضر مثلاً، في المقابل لا نشاهد توازناً بصرياً يبرر الإدغام اللوني. وفي أعمال أخرى نجد أن خلفية اللوحة هي المحرك الرئيسي لهويتها، حيث ظلالها تتحول سطوة بصرية تنهك مشهد اللوحة بجمود درامي بارد، مع أنها تنجح أحياناً في استثمار حضورها لتشكل مكملاً حيوياً لبعض الألوان الميتة الغارقة بالرتوشات التجريبية والمنحنيات المقصودة وغير المقصودة لضربات اللون الأبيض، وهذا ككل ساهم في ظهور خلل لوني متفاوت.
تجريد و جذور
التجريد نوع من الارتقاء إن جاز التعبير، نحو الصور الأكثر كمالاً. ولأنه تجريد ـ وهذا يعني لغويا نزع القشرة للوصول إلى اللب ـ يكون أمام نوع من التحدي لإماطة اللثام عن الأشياء للوصول إلى كنهها. وفي هذا لا ينقطع الفنان عن الارتقاء خصوصا ان تاريخنا الروحي والفلسفي والديني غني بهذا. فهل في تجريدات مراد هذا النوع من البحث الماورائي للوصول إلى كنه الأشياء؟ لا أظن. فهو ما بين أعماله السابقة حتى هذا التاريخ يكرر الصور ذاتها بأشكال مختلفة قليلاً!
عبد الله مرد لم يجد أسلوبه التشكيلي حتى اليوم. فلا هو تخلص من الشكل ولا هو يقدم لوحة تحمل بوضوح موضوعها ومضمونها. وهذا جميل في حال كان في منطقة لها خصوصيتها، لكن هذه الخصوصية لا تكون بهذه القوة، وجذر اللوحة مشتت في أكثر من مكان! لم أجد منطلقاً فنياً تضاريسياً يمكن البدء منه، فنقاط النهاية كثيرة والبدايات ضائعة، وهذا ما يمكن أن ندعوه عبث التجريد الذي يفتك بجذور اللوحة. ترى ما معنى أن نجد كل ذاك الصخب البصري الضائع، ولم نستطع للحظة واحدة التقاط نقطة البدء بقراءة اللوحة بصوت عال؟!.

أضف تعليق