“الــفــتـــن الــبــغـــداديــة” لـمــحــمــد مــظــلــــــوم : لا شــيء طــــيّ الــكـــتــمـــــان

عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الاثنين 14 كانون الأول 2009
العدد 23903

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يأتي كتاب “الفتن البغدادية – فقهاء المارينز وأهل الشقاق” (دار التكوين طبعة ثانية 2009) للكاتب العراقي محمد مظلوم، شهادة شخصية لمرحلة تاريخية حافلة بنزاعات سلطوية للمرتزقة داخل العراق وخارجه، بغية السيطرة على الحكم، وفرض الهيمنة الديكتاتورية بطريقة غير مباشرة، بفتن المارينز الأميركي وقبضة الرؤوس المعبأة بخطب الكولونيالية البريطانية السائدة، لنزع عروبة المنطقة بطريقة الاحتلال المتحكم بقضايا الدولة بعد سقوط رموز النظام السابق.
يبين الكاتب من خلال فصول كتابه أهم الوقائع العينية للعراق على شاشات التلفزة العالمية والعربية، مستنداً الى مراجع اشتغل عليها بطريقة تفتح مساحة للقارئ لكي يتخيل ويربط الحوادث ضمن شاشة هي صفحات هذا الكتاب.
فبعد كتاب “ربيع الجنرالات ونيروز الحلاجين”، وكتاب “عراق الكولونيالية الجديدة – من ملحمة كلكامش إلى خرائط كولومبوس”، يأتي هذا الكتاب جزءاً ثالثاً هو شهادة شخصية تعبّر عن الإمساك بلحظات تاريخية غاية في التعقيد والتداخل في تاريخ العراق، تنحاز في الأدب السياسي إلى العبرة المهملة، وتسعى إلى نقد دقيق وصريح للثقافة السياسية وذلك من خلال مقاربة مفاصل جديدة في النسق الثقافي.
هذا الكتاب الذي يشكل محاولة قوية لتوثيق ما هو موثق أصلاً بالذاكرة، يطلق تهمة التزوير على إعلام المرحلة الذي شوّه الروحانية، تبعاً للحظة كولونيالية عميقة التأثير على المتلقي بشكل عام.
فصول الكتاب الأربعة تندرج في سرد أدبي يغلب عليه طابع النثرية الكثيفة للوقائع، متابعاً متابعة الحوادث بجدية، وباحثاً بحثاً عميقاً عن الشواهد لتدعيم المعلومة الصحيحة والغائبة عن ذهن معظم المتابعين للحال التي آلت إليها العراق.
من ناحية أخرى، نجد البنية المقنعة في تفاصيل مرت أثناء العهد السابق عبر فيلم وثائقي يتراءى للقارئ حين ينتقل من مشهد الى آخر، معتمداً على ذاكرة المتلقي في رسم الصور المتحركة أمام عينيه في عناوين شقوق فصول هذا الكتاب. فتحت عنوان “قفص الديكتاتور والذاكرة المحتلة”، ثمة حقائق ملموسة تصف صورة الرئيس المخلوع على أنه ديكتاتور طاغ على عرشه أثناء حكمه، وشاعر بطل خلف القضبان يروي بطولاته بحبر من دم مجازره التي تعبّر عن مزاجية وحشية بحتة، ولا يراها بعض العالم. ويسخر الكاتب من حال الحاكم المدني الموقت بول بريمر أثناء تلك الفترة واصفاً أنه جاء ليغير العراق وينهي زمن الظلم ليبدأ زمن جديد أفضل من سابقه على الأرجح. أنه زمن الفتن والهمة الأميركية الشرسة، التي نرى نتائجها في الوقت الحالي.
يبتعد الكاتب قدر الإمكان عن الأسلوب التقريري في حديثه عن المراحل التي تجسد أتون الفتنة بما جاءت به عمليات البحث المقنّعة عن عراق جديد. كما يطرح على سبيل المثال النضال لنيل حرية العراق بأيدي العراقيين فقط فيقول: “الاستقلال من الاحتلال الأميركي ليس مجرد حلم فقط بل حل قاس ونموذج كارثي عن كيفية نيل الشعوب حريتها بعد حروب أهلية توقظ الأساطير القديمة بنواح وشعائر”. أما المرأة فلها نصيب في بناء هذه الفتن أيضاً إذ يرى الكاتب أنها ساهمت في تغذية الفتن البغدادية من جوانبها المتعددة. عن غسل العار يقول: “إذا كانت النساء فتنة الرجال الخالدة فلماذا تموت ربّة الفتن ولا يجن المفتون؟”.
ثمة سر في هذه الإعترفات التي يدونها التاريخ على سطور هذا الكتاب، وفضائح خيانة علنية الذاكرة، أبرزها فيديرالية الهواتف المحمولة، وهي أحد الأسلحة التي ساهمت في احتلال العراق، إذ لم يكلف إسقاط نظام صدام سوى عدد من هواتف الثريا أدخلها إياد علاوي أول رئيس وزراء بعد السقوط.
في الكتاب تاريخ مفصلي مكتوب بأسلوب دقيق العبارة، وتشابيه مناسبة ومغرية الإقناع بما غاب عن ذهن العالم، ومصطلحات غاية في التميز وسلاسة الفهم، وهو يعدّ نذيراً لطوابير العراقيين المشردين خارج البلاد بأن ليس هناك من أجنبي يريد العمار والتقدم لوطنهم أبداً. فأحلام مرتزقي هذه الحقبة المتداخلة والصعبة التفكيك في الوصول إلى هرم السلطة، لا تردد سوى شعار واحد، هو أن يظل المواطن العراقي خائفا دائماً فذلك خير من أن يصبح آمنا.
على الغلاف الخلفي للكتاب يذكر الكاتب أن غايته من فصول هذه الشهادة ليس الحصول على مستقبل مشوش بضجيج الأبواق الكشافة بل انتزاع هذه الذاكرة نحو العلنية والمواجهة كي لا يبقى شيء طي الكتمان.
العراق الجديد يبدو في رأي محمد مظلوم عراقا طائفيا، حيث أن نتائج الحرب العالمية الأولى صاغت العراق صياغة طائفية، وهذه الحقيقة تفضح مكنونات السؤال: متى لم يكن العراق طائفياً؟

أضف تعليق