عبد الله عريشة في صالة “فري هاند” في دمشق لـمــســــــات أســــــطــــــورية عـلــى قــمـــــــــاش قــلــــق

عمر الشيخ
النهار اللبنانية – 7-7-2010
العدد24096

من أعمال عريشة
من أعمال عريشة

لا يكفي ضجيج المواد اللونية من عجائن وسماكات مختلفة لشدّ المتلقي إلى عتبة الدهشة، ولا حكاية الخلط بين الرموز المبتكرة والنقشات التي حفظناها عن ظهر قلب من على السجاد الدمشقي، فكيف يمكنها الآن أن تخلق طقساً أسطورياً فوق قماش فوضوي للوحات تشكيلية؟ هذا ما رأيناه في معرض التشكيلي السوري عبد الله عريشة في صالة “فري هاند” الدمشقية، حيث يحاول الفنان استخدام الإيقاعات الشرقية في رسوماته المحصورة ضمن نظرية مخالفة التحركات والخلق الطبيعي للكائنات، كأن يضع للسمكة أجنحة وأقداماً وجسد قط، ويرتب تحت أثدائها مجموعة سمكات صغيرة، كناية عن الأمومة في التعبير الأسطوري كما سمّاه. هل يمكن رسم شكل غريب لحيوان في وضع غير طبيعي ووسمه ببعض النقوش الدمشقية والحروف العربية، فنسمّي ذلك “لمسات أسطورية”؟ لم ينتبه الفنان عريشة إلى ضجيج أعماله باعتبارها نسخة مطابقة لباطنه الثقافي المتداخل بين النقوش المعروفة في سقوف البيوت الدمشقية والسلاسل اللونية المتدرجة على كراسة الطلاب المبتدئين في كلية الفنون الجميلة، فهو يقدم في لوحاته قراءة دارجة جداً لتجربة إهدار المواد الأساسية عبثاً مع ضربات زيتية لإغناء اللوحة بالتفاصيل، وهذا ما يغرق الأعمال في التشتت والرؤى التقليدية.
في العودة إلى عنوان المعرض، “لمسات أسطورية”، نشاهد غياباً تاماً لأي مفهوم أسطوري أو تعبير فلسفي مرتبط بالحاضن المكاني لرؤية الفنان، التي من شأنها قراءة البعد الثقافي بالكتل اللونية القائمة على عناصر اللوحة الرئيسية الممثلة هنا كحفر على القماش، والتي تتضمن أشكالاً هندسية عشوائية وسكباً مكثفاً من المواد المنوعة المخلوطة مع تناسق بصري لمشتقات اللون البني، وهذا ما يستطيع أيّ هاوٍ أن يفعله.
ملء فراغات
معظم الأعمال تشترك في هوية تقنية واحدة هي صنع الرموز قدر المستطاع، ومن تلك الرمزية المقحمة بأشكال المثلثات والدوائر والهلال والأسماك والطيور، لا يبدو أن هناك محاولة لقول موضوع مشترك، بل فقط لملء فراغات عديدة في اللوحة. فالفنان يقدم رموزه فوق العجينة اللونية بحواف نافرة على مساحات من الخشب تارة، ويلصقها بشكل غير منتظم بعد أن يرسمها على قطعة من القماش تارة أخرى. وفي الحالتين لا يختلف الأمر، سوى أنه يعيد توزيعها في اللوحة لسماع ضجيج مختلف. هكذا تتحول أعمال عبد الله عريشة مختبراً تجريبياً لقياس تناسق الألوان مع حركة الرمز على القماش، حتى لتبدو أكثر لوحاته كبراً أوسعها حشراً للرسومات والسماكات المشوشة.
عفوية
يمكننا تلمّس الصمت والتعب عبر الخطوط الفنية التي تسلكها اللوحة، وعلى الرغم من هذا الزحام اللوني الفاقع والتقليدي، فإن مسار اللوحة وبناءها النفسي لا يعتمدان على دوافع داخلية مدروسة، إنما على عفوية وبريق فوضوي مهذب يضفيان على الأعمال رونقاً جميلاً، لولا الحركة الجامدة التي تفقد المواضيع الروحية حيويتها ومرونتها، فتحاول الكتل البصرية الناتئة القيام بعمل تبادل الأدوار مع الرموز الغريبة، فتنشأ علاقة عفوية بين تلك اللغة اللونية القلقة وسيل المواد المختلفة المشكلة لرقعة شطرنج بلا حدود.
سيراميك
يعتمد الفنان في التكوينات الأساسية لأعماله على عناصر التراب في الدرجة الأولى، ثم سيالات الزيت المثقلة بالألوان الفاتحة، وأخيراً قسوة الجفصين بمختلف تشكيلاته. لذا يضمد عريشة بالسيراميك بعض أعماله في محاولة لتغيير سطوح اللوحات والإكثار من استخدام مواد ذات طبيعة كيميائية واحدة، فتظهر الألوان عند تلبيس السيراميك بحوافها وكأنها مشوهة، إلا أنها تحمل بصمة مختلفة عن غيرها على رغم أنها تحتاج إلى اتساع فراغي أكبر وتخصيص رمزي للأشكال المتقافزة على سطح اللوحة. هي محاولة عبثية أخرى لمنح بعض اللوحات لمسة شرقية براقة، لكن هذا الضجيج لا يحتمل إضافة أخرى حتى لو كان السيراميك حنوناً.

أضف تعليق