عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
السبت 24 تموز 2010
العدد 24112
تتبنى مراكز ثقافية عامة تابعة لبعض السفارات الأجنبية العاملة في دمشق أعمال الطلاب الذين يعرض بعضهم للمرة الأولى، وبعضهم الآخر كان شارك بمعارض فردية متواضعة، وذلك لأن الصالات الخاصة والمشهورة لا تستقبل أعمال متخرجي كلية الفنون الجميلة بوصفها أعمالاً لا تزال في البدايات. رواج العمل التشكيلي للتجارب الأولى ليس سهلا في سوريا، ما لم تدعم هذا الإنتاج الفني حملة وسائط إعلامية وترويجية واسعة يساهم الفنان في صنع جزء منها. لكن ثمة رهبة في نفوس المتخرجين من كلية الفنون الجميلة لعام 2009، هم الذين جعلوا أخيرا من تجاربهم الأولى معرضاً منوعاً بين النحت وتصميم الغرافيك والرسم التجريدي والواقعي والانطباعي، وذلك في صالة المركز الثقافي الفرنسي بدمشق. الأعمال بين صعود وهبوط ضمن مقياس جمالي وحرفي منوع، كما لو أنها أصوات مستعارة من الرموز التشكيلية المكرسة في المشهد الفني المحلي. تتداخل رؤى الخطوط والألوان في الكتل البصرية القائمة على أقمشة مختلفة لتنقل حسّ التأثر الكبير بمجموعة مشهورة من رواد الفن التشكيلي في سوريا.
إيقاع مألوف
خالد البوشي يحاول الافادة من قوة اللونين الأبيض والأسود ليزج بخطوطه النحيلة على طول أجساد مهمشة التفاصيل، مشكِّلاً من الدوائر قراءة ذاتية لضياع الروح في زمن السرعة، معتمداً في أدواته على أكريليك فحم الأكسيد للتنقل بين ظل الشخص على اللوحة ودوائره المتعرجة التي تصدم المتلقي بفجوات مدرجة بالأبيض، على اتساع تنسيق لوني لا يختلف كثيراً عن دروس التظليل في مراحل التعليم الابتدائية. لكنه يتمتع بقدرة تعبيرية نظيفة لولا أنها محملة إيقاعاً مألوفاً ينحصر في مواضيع كالحنين الى الجسد الغائب والالتصاق المستمر بصور الماضي.
شبح عرابي
يقدم أنس كحّال أعماله وفق تكنيك لوني مأخوذ بحذافيره من تجربة الفنان والناقد المعروف أسعد عرابي، مشيراً إلى بصمة الجسد والشهوة والانعتاق. يحاول كحّال الخروج من شبح عرابي بتمزيق النمط اللوني لأجساد شخوصه العارية، مستعيناً بإضافة حركات مفتعلة للابتعاد عن حلقة التشابه، إلا أنه في إحدى لوحاته يبدو مكشوفاً تماماً لتأثره بلغة عرابي الخاصة، حيث يجسد مشهداً مأخوذاً من أعلى السرير لذكر وأنثى وقد اختفت الشهوة في دهشة عيونهما.
أعمال موسى النعناع تتحدث عن قهوة الصباح والانتظار، فنعثر على أجواء فان غوغ الصريحة وخصوصاً في اللونين الأحمر والبرتقالي، حيث نلاحظ ضعفاً في حيوية الشخوص المشكلة على سطح اللوحة كأن يد الشخص المنتظر لا تتواصل مع اضطراب وجهه، وهذا التقليد يجعل انطباعية موسى النعناع واقعية صامتة لا إدهاش فيها.
تتضمن أعمال كاميران خليل رصداً لاتجاهات وجه كبير لا يملك ملامح تميز جنسه، حيث شرائط بيضاء تكتم العينين والفم والاذنين في هذا الوجه المتدفق نحو الريح، بزاوية جانبية. كأن الفنانة إنما تلقي بنفسها أمام صراع كتم الحواس وتترك للمتلقي استلاباً داخلياً وخارجياً عن الأسئلة الصعبة التي تطرحها الحياة حين يكون الموت منتظراً على زوايا تلك الشرائط البيضاء. ربما لا تتجاوز كاميران زملاءها كثيراً بتناول ما هو مطروق مسبقاً، إلا أنها تحاول الوقوف أمام موضوع عملها بعيداً من ضجيج الألوان والتكنيك المتداول.
حفلة درّاق
في الجانب الآخر من المعرض تقدم هبة العقاد تقنية تزاوج الأقمشة الملونة، ليظهر عملها في دوامة عفوية أشبه بقوس قزح، ذات سماكات ظاهرة وتعرجات ملموسة في شكل المادة الخام. فعناصر لوحتها تتحدث عن نفسها بنفسها، إذ نشاهد طفلة بثوب قرميدي وقد أحيطت بنقوش غجرية على خلفية أثواب ممدودة وراءها بعدما تبعثرت حبات الدرّاق تحت ثوبها في أرض اللوحة كأنها ترقص فوق شاشة من أفلام الكرتون القديمة. على رغم ذلك لا يمكن قراءة موضوع ثابت في هذا الكولاج القماشي، فهي تستحضر أحاسيسها بألوان فرحة تدل على الحرية التي تتمتع بها خيم البادية أحياناً، وأحياناً أخرى الشتات الممثل هنا بالطبيعة الصامتة وهي جذع لشجرة شبه مختبئة خلف القماش.
تحاكي هبة العقاد ثمار الحقول بطفولة أنثى لا تزال تتحدث مع الألوان والأشياء بعفوية وتبتسم للمشاهدين ببساطة كأنها تدير محترفاً لأطفال يحتفلون بالدرّاق.
يتطلب تزاحم المنحوتات في منتصف الصالة، كثيراً من التريث في تأمل الأجساد التي شكّلها البازلت والبوليستر ضمن مجموعة منحوتات لكل من ربى كنج وسراب جوخدار وصبا العنداري، حيث أحجام ومستويات فنية وتقنية متفاوتة، أي إن معظمها من وحي التجريب والعبث مع المألوف كما تفعل ربى كنج التي تقلد تقنياً جزءاً من تجربة النحات الإنكليزي هنري مور، من خلال الحديث عن الإنسان المضطجع. ولا تختلف سراب جوخدار كثيراً عن زميلتها كنج في أخذ أدوات هنري مور لرصد حيرة المرأة التي تنتظر التخلص من ثقل الكون العالق على فرجها.
تتمايز صبا العنداري، إذ تفيد بذكاء من طبيعة الحجر البازلت الخام الذي بين يديها، وتجعل من تكوينه الطبيعي طقساً صوفياً لجسد امرأة تصعد ملامحها من صلب الحجر إلى الهواء الطلق، وتُخضع في حضورها حفر الحجر الأساسية إلى ليونة أنوثتها، وبذلك تستثمر الطبيعة في صك نحت حيوي ينأى عن بقية منحوتات المعرض.
