دمشق – من عمر الشيخ
النهار البيروتية
الاثنين 02 آب 2010 –
العدد 24121

يدخل فن تخطيط الحروف في حقل التشكيل من باب تزاوج إيقاع اللون مع صدى الحرف، ولكن أن تصبح اللوحة مأوى لأشكال شائكة من الحروف يقودها تظليل لوني معيّن يسمّيه البعض موسيقى، فذلك يبدو شكلاً من أشكال العبث التقني الذي يحتمي تحته فنانون كثر، منهم الرسام السوري صالح الهجر الذي حمل مخيلته وثقافته البصرية من تراث الشمال السوري حيث تعلم فن رسم الحروف بأشكالها المختلفة (ثلث، كوفي، ديواني) ليقدم ألعاب الظلال اللونية مع بكرات لا تنتهي من منحنيات شكلية تمثل حروف الأبجدية ضمن معرضه المقام في صالة “فري هاند” دمشق، حيث تظهر لوحته كقوام تشكيلي أكثر منه حروفياً، ويوظف مقدرته في التشكيل العفوي لصالح الحرف، فتأتي أعماله كخلفيات أكثر منها لوحة تشكيل حروفي. فالتشكيل كما يفهمه الهجر هو صبغ اللوحة كلها بحروف بعضها فوق البعض، أقرب ما تكون إلى التجريدات التنقيطية. فالمسألة ليست أن ترسم وتضيف الحروف حتى تطفح اللوحة بالحرف واللون، من دون أن نفهم ضمن أي فضاء تتحرك هذه الكتل الحروفية. لا نبحث عن الحرف ككلمة ومعنى، فما نقصده هو عناصر اللوحة التشكيلية التي قوامها الحرف. هناك مقولة الفنان، وحركة الرسم، والفراغ والتضاد اللوني، هذا كله نفتقده بتفاوت في لوحات صالح الهجر، لتبدو لوحاته كأنها عقوبة كتابة الوظيفة عشرات المرات على صفحة لا تتسع إلا لمرة واحدة، بما يجعل اللوحة مجرد تكنيك حروفي من دون خلق مساحة تحمسنا على التفاعل مع اللون والحرف.
تعب بصري
على طول الخطوط التي سمّاها صالح الهجر في معرضه مسرحاً لتكوينته الموسيقية، نتلمّس تداخلاً غير محدود في درجة كل لون، فالفسيفساء الضوئية التي تحاول إخفاء تشرذمات مواضيع الأعمال تطلعنا على ارتباك معطياتها أمام المتلقي منذ اللوحة الأولى. التماس اللوني مع النصوص الحروفية المشفّرة لا يصدّر سوى تعب بصري يسيطر منذ اللحظة الأولى. لجوء الفنان الى مهنة التزيين تنفي تماماً أي انفعال مدهش قد يباغتك في لحظة تفكيك عاطفية بعيداً من القول النقدي.
من جانب آخر يحاول صالح الهجر تلفيق أشكال هندسية حلزونية وإعصارية وعمودية عبر منبع حروف لوحته ليخرج من نمطية الحشر التي ساقت رؤيته إلى تركيبات لونية لا تعرف كيف تتواصل مع نفسها. لذا نجد أن معظم محاولاته هي مساحة ثنائية البعد ضمن الحرف الذي يتكرر حتى لا نرى متسعاً لحرف آخر، وتتراوح الألوان بين درجات الأخضر والأزرق والفيروزي والسموي والأحمر إلى آخر الألوان، وهذا يضعنا أمام الكثير من التساؤلات عن رؤية الفنان النفسية للون، باعتبار أنه يميل إلى لون أكثر منه الى آخر، أو أن لوناً هو أكثر قدرة من سواه على التعبير. هذه الحوارية لمدلول اللون نراها غائبة في لوحة الهجر، فهو يلعب بالظل ويضيّع بوصلة الحروف.
منمنمات زخرفية
الإضافات على بعض الأعمال، لا تخدم الجانب الفني بقدر ما تساهم في إظهار قدرة صالح الهجر على التكنيك الأكاديمي الذي سبق أن درسه في تشريح فنون الخط العربي. لو أنه افاد من تلك القدرة المعرفية والفنية في التخطيط الحروفي، لجعل معرضه أقل تكلفة للألوان والوقت والمساحة القماشية. بعض المنمنمات الزخرفية تحمل في توضّعها بصمة مختلفة عن أعمال المعرض، حين بكثافة اللون الأبيض يملأ أجساد بعض الحروف بتشكيل حروفي ضمني ودقيق يدل على حرفية عالية في التخطيط، تخربطها العبثية التشكيلية في باقي اللوحات.
ترقب صوت
الحروف بعضها إلى جانب البعض كأنها تنتظر مطراً من البريق! نجدها تتمثل أيقونة البرد واليباس، عطشى تلفظ أنفاسها وتصبح سحنتها بمثابة شراع يتجه بحسب جهة جغرافية وحيدة، حيث تترقب تلك الحروف – الأيادي الغائمة صوتاً على هيئة هوية بصرية جديدة. إلا أن استخدام الألف والكاف والنون كحركات موسيقية، لا يعتبر تغييراً في منهج الأعمال، إذا يتطلب صوت الموسيقى اندفاعاً حسياً من بداية اللوحة الى نهايتها، وأعمال الهجر لا نهاية لها ولا بداية، كما تحتمل الموسيقى عادة سكتات وتنقلات إيقاعية وتسلسلاً فنيا واضحا ضمن سلّمها اللوني، على عكس ما تصوغه هذا الأعمال، فهي تحاول فعل الموسيقى دفعة واحدة، وهكذا تكاد لا تفعل شيئاً.
أحجام
هل يكفينا أن نرى مساحات القماش مختلفة في ما بينها حتى نقول إن لهذا التنوع ضرورة؟ لا أظن. فمهما تغيرت أحجام اللوحات وقياساتها فإنها تبقى ضمن النمطية التي لم يخرج عليها الفنان إطلاقاً، سوى أنه ينجح في تنسيق الألوان ضمن اللوحات الصغيرة مقارنةً مع لوحات ذات أحجام كبيرة نسبياً، وعلى الرغم من ذلك يبقى الاختلاف في أحجام اللوحات محاولة خرساء لا تقدم ولا تؤخر..!
