عبد الناصر الشعال في صالة “السيد” عندما تركض الخيول في شهيّة الألوان

دمشق – من عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الثلاثاء 01 كانون الأول 2009
العدد 23890

من أعمال عبد الناصر الشعال

كان العرب في الزمن الغابر يعتبرون أن لبعض الخيول الأصيلة لغة شبه شعرية تعبر إلى الروح بحيويتها وجمالها الخاصين، وكان معظمهم يستخدمون تفاصيل الخيول وأوصافها في إسقاطات تشبيهية على أبيات شعريّة تنزل في مقام الأصالة والوفاء وتعتبر طباعها منفذاً سحرياً إلى الكلمات فتمنحها أفقاً لغوياً مميزاً. الفنان التشكيلي السوري عبد الناصر الشعال يرى الشعر في نصه اللوني بعد ملء اللوحة بتفاصيل تلك الخيول الأصيلة. يدخل إلى عوالمها الجمالية، مؤلفاً مشهداً متنوعاً من التقاطات مختلفة لأجسادها، من استطالة الوجه وحيرة العينين المتسعتين إلى تسريحة الشعر المنسابة على طول الرقبة الطويلة كما لو أنها نبع ليل والتماعات نجوم.
يشتغل عبد الناصر الشعال على منهج تعبيري في أعماله تلك، كما لو أنه يجسّد تصويراً فوتوغرافياً لتلك الخيول، ينطوي على قيم لونية تمسّ الشكل العام للخيول الأصيلة، ولكن ضمن رؤية معاصرة، من خلال تبسيط المساحات والاعتماد على نواح خاصة بالطابع الشرقي، من مثل قطعة القماش المنقوشة بألوان شامية توضع على ظهر الخيل، وذلك بلغة بصرية تعتمد على التفصيل الصغير في حركة الجسد المختار لتلوينه في اللوحة.
نكتشف أن الفنان يغوص في تفاصيل غائبة عن العيان أثناء مشاهدة الخيول في الحياة اليومية، محاولاً تمثيلها بلمسة شعرية تُحمّلها عناصر ذات نقاء مميز وخاص. لكن هذا لا يعفي الفنان من الإشارة إلى أنه يقدم الخيول هنا بتصوير واقعي وشبه مباشر، مفرّغ من الحركات الخلفية المساهمة في بناء اللوحة.
اللافت أن الشعال يختار أكثر من عمل يجمع بينها اللون الابيض الموزع ضمن اشتقاقاته المتدرجة، بما يدع المكاشفة رهن الترقب في تحقيق الشكل الخاص لمعالجة الصورة الواقعية بأسلوب مختلف لا يمكن أن تجسده أي كاميرا.
يحاول الشعال في هذا المعرض إعادة اكتشاف رؤية جديدة في تناول جوانب التعبير القائم على حركة عيني الخيل مثلاً، مما يدل على تفسير معين ترغب اللوحة في توضيحه عبر تلك الملامح. وتمارس الريشة تأثيرها بالنيابة عن العدسة الديجيتال وذلك للمس أكبر قدر ممكن من العناق الروحي بين الحصان والإنسان عبر التاريخ. أضف إلى ذلك شدة الملاحظة التي يبديها الشعال في رصد تهيّؤ الخيول للإنطلاق، بالتجاور مع لحظات هدوء وتأمل يبديها ذلك الحصان الذي يركض بشهيّة واثقة من لذة تناديها في عالم لوني منثور على قماش حقيقي يشغل حيزاً جمالياً في الفراغ. يضم المعرض أكثر من عشرين لوحة ترصد الأوضاع والأحوال والألوان المختلفة للخيول، وقد اشتغل عليها الفنان بحرفية متفردة، وإن تقاربت الألوان أو تشابهت وضعيات انفعالها الداخلي.

أضف تعليق