عمر الشيخ
جريدة النهار البيروتية
الأربعاء 09 كانون الأول 2009
العدد 23898

الأيقونة دلالة جمالية تنتمي في خيوطها الحسية إلى كتلة بصرية تختصر شعوراً معيناً بالأشياء والكائنات، وربّما تقوم فكرة ذلك الرمز على تكوين تراثي صرف، عندها يكون في إمكان التكنيك التشكيلي الخاص جعل الاحتفاء بتلك الذاكرة طقساً غريباً يمارس في الزمن الراهن! هذا تماماً ما تمثله أيقونة التشكيلي السوري نزار صابور، حيث يرصد تحولات رموزه الفنية في صالة “تجليات” الدمشقية، مستعيناً بموسوعة تدمر، إحدى أهم نقاط البادية السورية، ليجعل من أعمدتها ورخام أقواسها جدارية تهندس أيقوناتٍ لنساءٍ تدمريات يظهرن على مراحل متقطعة بتفاصيل طفيفة فوق قماش من الطباعة الحرة بالرمل. تظهر تلك الأيقونات كما لو أنها تمثل صمتاً آخر للأبدية، على ما قال صابور، حيث تلتصق حبات الرمل الدقيق بلزوجة اللون والتماعته، وفق سيولة جمالية تدخل إلى خطوط الأوجه المتشكلة نفحاً طويلاً من الصحراء المنتظرة.
“جدران تدمرية”، هذا هو العنوان الذي أطلقه الفنان نزار صابور على معلقاته الجديدة. ألوانه الزيتية تزور الكتل الجاهزة لشخوص مطبوعة ملامحهم على الرمل. فبقدر ما تغوص الريشة في تمايزات اللون، فإن ذلك لا يحول دون تسلل بعض حبات الرمل إلى عالم اللوحة للمشاركة في بناء انفعالاتها، بلغة تنتمي إلى تراث بعيد. ثمة أفكار مستحضرة من متاحف تدمر وأبجديتها العريقة، تندرج كإيقاعات وتقنيات معاصرة ضمن كولاج شبق مع تدرجات اللون البني، كما لو أنها زوابع مهذبة تنشر رائحة زنوبيا وصباحات تدمر التي يشهد لها التاريخ أن الأنوثة في أعصابها هوية ناصعة للعذرية والتحدي.
من الواضح أن هذه الأصوات الرخامية تنطلق بإيقاع منظم على ناي تدمري لتنقش فوق أنفاس اللون طبائع الرمل من مباغتة وهيجان وإغواء. فقصة روما وعشبة السمّ التي طلبتها زنوبيا من سجانها، لم تكتب على اللوحات، إنما تتلمسها ذاكرتنا ونحن نقرأ بقلوبنا التقديس الفني والرقوم المنحوتة بخفة سرمدية على جوانب الأيقونات الموحدة التي تمثل الأبدية التدمرية. تقدّم أعمال صابور القربان الى الروح وتنتشل الماضي من غباره، لتفرشه أجساداً نورانية تنقل المسرة إلى شرودنا أمام حبات التراب تلك، وأمام معلقات الصمت البليغة. نحن لا نتحدث عادةً مع الألوان والرمال، إلا أن جدران نزار صابور التدمرية تجربة يجب الوقوف عندها وإعادة قراءتها بعد مسح العيون مرات حتى يبصر القلب تماماً ما كنا نريد أن نخبره به.
تدلنا تجربة صابور الى ميزتين أساسيتين عند هذا التشكيلي، الأولى أنه يعتمد على حكاية شعبية أو ظاهرة قائمة أو تراث، ليعيد تشكيل رؤيته النفسية لتفاصيل تلك التجارب من الناحية الباطنة، كما في تجربته السابقة عندما أقام معرضاً مماثلاً لهذه التقنية إنما يدور على عنترة بن شداد، حيث لم يلق الضوء على بطولاته المعروفة بل أظهر بطريقة فنية مشاهد تعثّره على صهوة المعرفة، وهو يتجه إلى حبيبته. الميزة الثانية، إن الأسلوب المتبع في الطباعة الحرة يعتبر خامة أولية يشكل الفنان ثيمته الأساسية عليها، ثم يذهب نحو الإضافة الحِرفيّة فيكسر اللغة المباشرة في التعبير من طريق الكولاج. فهو يقول حكايته التي فهمها عن تدمر وملكتها التاريخية زنوبيا.
