عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الثلاثاء 10 تشرين الثاني 2009
العدد 23871

عندما تهرب الحكاية من أقلام الرصاص خوفاً من الممحاة، وتلجأ الى طريق سريّ للدخول إلى فسحة الأمل وتلمّس صدى الذات، نعرف حينذاك كم أن كاتبها سيبذل مجهوداً شعريّاً ليحوك نموها الدرامي وفق مخيلة تزدحم بالخوف والغربة وتستحضر شخوصاً لن يكون في حدثها المكتوب إلا أبطال من ورق تحركهم نشوة الأصابع وتستجديهم مفارقات الرضا والغرور، كي يصبحوا قصصاً تعكس العوالم الإنسانية الخائبة والصدمات الحياتية الموجعة، ممثلةً بسيناريوات تزيد على عشر صفحات أو قد لا تتجاوز العشر كلمات.
هي حكايات فلاش باك تذهب نحو فاتحة البداية، تصوغ أكثر قصص مجموعة “تماماً قبلة”، الصادرة حديثاً للقاص السوري باسم سليمان، كما لو أنها قماش صراخٍ مطرز على مكوك لغة شعرية تحتمل المجاز والمفارقة. هي تدور حول رافعة فنية أساسية يعتمدها القاص في تناوله حياة أشخاص من الواقع وآخرين من احتمالات الخيال. يقربنا الكاتب من الحدث ومن تطوراته المتسلسلة، موغلاً أحياناً في إسهاب وقائع لا تخدم متن الحكاية بقدر ما تظهر لغة فلسفية تقبض على جمل شعرية تنقذ التفكيك الدرامي للحدث لتظهر جنسين بارزين من الأدب في هذه المجموعة: قصص قصيرة جداً تقوم على الحكمة والرؤية، وقصص قصيرة تتباين خطوطها منذ البدء على رغم طولها، تحمل جرعة لا بأس بها من العبارات المدهشة مثل “الخيال عالم نظيف، لكنه الابن الحرام للواقع”، مقارنةً بنوع ثالث متوسط الحجم من الناحية السردية والتعبيرية، يحتمل تأويلاً فنياً يصب في رؤية ذاتية للحياة. من ناحية أخرى يختار الكاتب مجموعة من القضايا الإنسانية بتركيب من خليط قصصي تتجانس في ما بينها لتخرج نوعاً ما على التماسك الكلي للمجموعة.
“فصل اللوحة” قصة تحكي عن رسّامة تتأثر بحبيبها الفنان المشهور الذي هجرها ليتوفى في ما بعد، فتترك هي القرية وتسكن في العاصمة. ينقلنا القاص من لحظة وضعها باقة الزهور على قبره إلى حالها الآنية، مسهباً في ذكر تفاصيل أساسية تنتمي إلى بوح خاص بلسان أنثى: “انتقلت للعيش معه في القرية وبدأت أقيم معارض مشتركة مع رسامين آخرين وأصبحت متفرغة للرسم. وحققت شهرة لا بأس بها، جعلتني أقيم معارض وحدي ولكنه بقي اللون الوحيد الذي لم أمتلكه رغم الحيازة الصحيحة له. وفي المقابل هو لم يعمد لامتلاكي لأن أجمل ما فيَّ هو ظلي الذي تمتلكه الشمس وحدها”. يكشف الكاتب العوالم النرجسية لأشخاص ظنوا أنهم مظلومون وأن لهم الحق وحدهم في الألم، لكن الخسائر تزداد ويرحل العشاق الحقيقيون. يسرد الكاتب تفاصيل ايروتيكية ليقصف هدوء القصة: “عصرني كما اللون فتمددت على مساحات اللمس.. التصقت به كطابع بريد”. بمثل هذا التزاوج بين الحركي المثير والمحسوس العاطفي، يكتب باسم سليمان قصصه التي تكشف أسراراً ذاتية لأناس هاجروا الفرح وباتوا بين قضبان الوحدة والتعذيب. ينقلنا أيضاً إلى عالم السياسيين ويؤجل لهفتنا حيال الأحداث الدراماتيكية إلى نتائج الدفاع عن المبادئ وحرية التعبير في طريقة العيش، كما ينقلنا بكل حذر إلى جنة عاشقين فرّق بينهما قدر الحياة وأصحاب السطوة. رجل تمرغ بالسجون، وامرأة وحيدة تستحضره في ألوانها، يلقي الكاتب الضوء عليهما في مشاهد تمتلك من الحساسية السينمائية ما يصنّف كتابته كنص بصري شعري متماسك وحرفي. يكتب أيضاً عن رجل متعب يعود بعد خروجه من السجن الى مداعبة حبيبته والسباحة معها عند نبعة ماء بعيداً من الجميع: “خلع ثيابه بسرعة ودخل الماء. ظهر كلوح مسماري نتيجة التعذيب في السجن”. ثم ينتقل الى الأنثى حبيبته، بلسانها: “همستُ له أريد أن أتقن اللغة المسمارية وبدأتُ أقطب حروف تلك اللغة عن ظهره وأبللها بريقي ثم ألثمها ويدي تعبث بشعيرات صدره الشائبة وتلمس بخفة حلمة منتصبة من البرودة، ربما لشدة الإثارة التي لم أتيقنها إلا عندما أدار وجهه وغطى شفتيَّ كالطيور المهاجرة”.
تظهر صور المسافر في باصٍ عتيق وقد صدف أن رأى فتاة الدراق حبيبته المهاجرة إلى أحزانها، فيقدم القاص حكايته القديمة خلال فترات متزامنة مع المتغيرات الإيديولوجية للباص وللمسافرين معه من القرية إلى المدينة، ومع روحه التي كلما اهتز الباص جراء حفرة وعرة أرتعش نهدا فتاته وانفتحت بوابة ذكرياته. هذا التكنيك السردي يطبع أكثر طقوس المجموعة القصصية، وفي كل الأحوال يساعده الإسهاب في توضيح ملامح لغته السردية، هذا إذا فصلنا النماذج البشرية والنفسية التي يستعرضها في حكاياته، كونه يقحم العمل التصويري بأعماق تأملية تلازم البشر ذوي الحساسية العالية عبر لغة شعرية من الطراز النثري المعاصر. إلاّ أن الكاتب تفوته انحناءات الخط البياني الفني التي تتطلبها المحافظة على روح المجموعة، بما يومئ الى أن التجربة في حاجة الى غربلة إضافية للحصول على جنس أدبي متماسك لا يشكو الثغر.
يتعدد ضمير المتكلم في القصص ليقود روح الحكاية. فمرةً هو ضمير غائب وأخرى صوت حاضر في القصص القصيرة جداً. ويمكن القول إن تنوع مواضيع القصص شائك إلى درجة تغفل الشروط الفنية للحصول على بناء متكامل لكادر المجموعة في نطاق التصنيف العام لجنسها الأدبي. لكن ثمّة جوانب حميمة وحسية متقنة التصوير تضفي الرونق التحريكي والتشويقي في أحداث القصص النابعة من زوايا ميتة في حياة مزدحمة بالتفاصيل. كعنكبوت وحيدة تقصقص الحكاية كلها لنكتشف أنها نظرات لا نهائية تغوي بالحدث ثم تختفي، لتهندس اللغة وتصطاد الخصوصية السردية موغلةً في الحدث الغريب السريّ والمغامرة الملغومة.
