حسن عبد الله في صالة “فري هاند” في دمشق قصيدته البصرية ترقص في براكين الألوان والشهوة

عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الأربعاء 11 تشرين الثاني 2009
العدد 23872

لوحة لحسن عبدلله
لوحة لحسن عبدلله

تقع هواجس اللون من خابية موسيقية تضج بالصخب الذكوري. صخبٌ كالذي يحاول تمثيل عملية ربط حبل السرة الخارج من قافلة قادمة من الشمال السوري، منفتحة على سموات العالم، لتحطّ على أرض دمشق في صالة “فري هاند” حيث يعرض الفنان التشكيلي السوري حسن عبد الله مختارات من أعماله. المعروضات تتناسب مع فصل الخريف ومع عزلة الفنان التي لا يزال يمضيها بين أوروبا والعالم العربي، برفقة اللون والهواجس الشعرية، متخذاً من تفاصيل اللوحات جواز سفرٍ حسياً منبعثاً من ثقافة روحية خامتها الحرية الحقيقية وطلاقة التعبير الخاص. يقودنا الفنان إلى أجساد لكائنات شبه بشرية تنضح بأنوثة سوريالية، على مظهرها الخارجي نهود بأحجام شهوانية رقيقة تخترق هدوء الألوان. الإلتواءات المرافقة لتلك النهود تشعل إغواء المؤخرات النافرة بطريقة تدل على السخرية والتعب. قد نجد أحياناً تمثيلاً لجسدي امرأتين بتفاصيل مجتزأة: نصف وجه لامرأة حزينة بلا جسد طبيعي، منسجم بوحدة لونية متماثلة. مجرد ظل يحمل نهدين، كلٌّ منهما مختلف عن الآخر بطريقة الامتعاض وشدة اللون النفسي. تقابل هذه المرأة في اللوحة نفسها، مؤخرة طاحنة في شبقها، وساقان تنسابان بتفاصيل واضحة، بحيث تخفي مثلث الشهوة عند المرأة الشرقية. الى الشمال نهدان أيضاً، كلٌّ منهما في اتجاه يعاكس الآخر، صاحبتهما مغمضة العينين، لها يد واحدة من خفاء الجزء العلوي لبطنها، تسحب جرعة كبيرة من الأمل في أعلى وجهها، بصورة تشبه الغضب والحب والانتظار.
تأخذ الهواجس الإيمائية عند حسن عبد الله زواية شبه مألوفة في التناول العام للتجريد، في إلتقاط مشهد لعازفات على العود والدربكة والبزق. إلا أن تفاصيلهن تبدو مذوّبة في انحناءات مكسورة بلا حدود، كما لو أن أولئك النسوة كبحر عتيق من إيقاع الموسيقى الشرقية، يقرأن الجسد برقصات مدمجة مع حرارة الألوان. في مشهد آخر لأحد الأعمال، تأخذ عدسة الفنان اللونية تفصيلاً ليدين، هما لشخص هو، بحسب أنوثة الأصابع، امرأة ترفع يديها إلى أعلى جزء من الكونترباص الممثل بخليط من الألوان، وهي تُسحق في دوامة العمر، لكن يديها تأبيان الاستسلام وتتابعان العزف الى آخر رمق من الشهوة.
يعتمد الفنان في تفاصيل لوحاته على كسر الحدود الطبيعية التي تنطبق على تفسير حالة الجسم. فهو عندما يريد أن يرسم يداً ما، يروح يشكّلها من كولاج لوني متداخل يدلّ على غليان ذاتي يزحم دلالات اللون بحسب انفعال الجزء المرصود من الجسم، فيحقق رؤية سوريالية متميزة في التجريد الخاص للهواجس الذاتية، ويؤسس لوحاته على معطيات الثمالة الروحية من دون أن يترك للعقل دقيقة تفكير في ما يرسم. فالروح، والفطرة التي تحاول تلبية حاجات النفس، وحدهما تقودان ريشة الفنان في إطلاق طائرته الورقية التي تندف ملايين الألوان على فضاء القماش الذي لا يزال هادئاً! ربما يخرج من إطار اللوحات إن بقي بلا أرواح تشاركه احتفاءه بالجنون على الطريقة البصرية. وعليه، يجب أن نبتسم لهذا العبث اللوني الذي يرتكبه الفنان من دون أن يقصد. فالقصيدة البصرية لا تحتاج الى قواميس كي تشرح صخب رقصها في براكين الألوان.

أضف تعليق