هادي طُرُن في صالة “رفيا” الدمشقية : لوحاته كأنها قصائد هايكو

عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
لسبت 21 تشرين الثاني 2009
العدد 23882

من أعمال هادي طرن

يقوم اللون بتكوين العناصر الباطنية للشكل الجمالي في أعمال الفنان السوري المهجري هادي طُرْن. معرضه الأخير “دمشق… إمعان في التجريد”، في صالة “رفيا”، يتضمن كشف التحولات الروحية التي عبرت في حياته طول أربعين عاماً في مدن متعددة من العالم. ها هو اليوم يعود إلى أزقة دمشق وحاراتها القديمة، إلى زواريب الطفولة وتسريبات الضوء الخجولة في الليالي الحميمة، ليقدم نخبة من أعماله المشغولة بأسلوب أشبه إلى تجريد ذاتي. إنه عالم حيوي مليء بالتعبيري، يلتقطه في محاوره الفنية ضمن تسلسلية لونية متناسقة ترصد الشوارع والقرى السورية التي تعنيه، الطبيعة الكاريبية، متصوفي السودان وتقاليدهم الممتعة. هذه كلّها تتجسّد في تعبيريته التجريدية الطفيفة، الذاهبة في اتجاه إخفاء الكلام اللوني تحت عباءة السمو التشكيلي: ذلك هو عالم الفنان المملوء بالتفاصيل المهملة.
تنتمي لغة هادي طُرُن إلى أدوات خاصة ترتكز على إعادة بناء المشهد بمعطيات معاصرة وتقنيات تجريدية نابعة من نمو التجربة ونضجها العمري. محو الكثير من التفاصيل الدقيقة في اللوحة، يبدو واضحاً ويفتح لحرية اللون مساحة تفوق البعد الثالث للمجسم الكلاسيكي الصوري، جاعلاً تلك الإيماءات أقرب ما تكون إلى الانفلات التعبيري، وذلك من دون فقدان الحالة البصرية الجمالية القائمة على بنيان عناصر اللوحة في تشكيل عفوي مجرب وحرفي في خطابه.
ترتبط مواضيع المعرض بالذاكرة وأحداث الماضي. فالفنان يبحث في المباني الدمشقية القديمة وفي ثناياها عن خيط ضوء رفيع يهمس لروحه ببيتٍ من شعر نزار قباني، ويعيد أصالة تلك المباني الحميمة بلمسة تعبر إلى كون منفصل عن الواقع وملتصق بالإيقاع الدافئ والبطيء لدقات القلب. من السودان يرسم أجساداً نحيلة ذات وجوه زرقاء متفائلة تكللها شلالات من قماش البياض والرقص، مفرودةً على صحراء شاعرية لا نجدها في التلفزيون أو السينما: وحده اللون يحقق تلك المعادلة الحسية بمقاربة يوميات ذلك الشعب. ثم يقودنا هذا الفنان إلى زوايا ذكية في حارات دمشق القديمة وعمارات معلولا المتداخلة بالكنائس والغرف، والمصفوفة بعشوائية سحرية ملونة بالأزرق والزهري والفوشيا والأبيض: بيوت وسطوح ودكاكين، منعطفات ومداخل ضيقة لأرصفة وحيدة، لم يجلبها إلى عالمه كما هي، بأسلوب مستهلك وكلاسيكي بسيط، إنما صنع لنفسه أدواته المميزة وتفاصيله الغريبة وهمومه الجميلة التي تشبه قصائد الهايكو. إنها تحولات هادي طُرُن التي تعبر إلى قصيدة مشفّرة بالألوان، تحاكي العالم بصمتٍ يقول.

أضف تعليق