عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأربعاء 22 أيلول 2010
العدد 24170

كما يضحك يكتب. محمد عضيمة الشاعر السوري الذي أتم في أرخبيل اليابان حوالى عشرين عاماً يعود بعد مجموعة “شكراً للموت” (2005) ليصدر عمله الشعري الجديد “أصل بعد قليل”، عن “دار التكوين الدمشقية” (2010) يحيلنا خلاله على تجربة جديدة خرجت للتو من مختبره الشعري الخاص، مستعيناً بلغة سردية تحتفي بالثرثرة الذاتية وتذهب نحو تصوير ذهني أقرب إلى الأحاديث اليومية الصادمة. مقاطع احتلت الصفحات اليسارية من الكتاب، فيها عبارات متتالية ترصد مشهداً خاصاً أو موقفاً طريفاً أو رسالة إلى أحدهم، تقابلها في الصفحات اليمنى مقطوعات شعرية قصيرة تلتقط الغرابة من التفاصيل الصغيرة الملتصقة بحياة الشاعر وحياة محيطه، حيث يدور في شوارع المدينة ويقف على منعطفات الأرصفة، يصفّر للأصدقاء حتى يلتحقوا به في المقهى، وعندما يتأخر يبرر عدم رده على الهاتف بقوله: “لم يكن هناك أي سبب لعدم ردّي على الهاتف. كنت وحيداً أنقذني الرنين من الوحدة. لم يكن للصوت البشري أن يلعب هذا الدور، ليس لأنه مبحوح وحسب،… بل لأنه لن يكون حيادياً على الإطلاق. لا بد أنه سوف يحمل في نبرته شيئاً ما يخربط إيقاع الروح”.
وعلى الرغم من أن الموت صديق حقيقي للشاعر، لكنه يضعه في جيبه كزرّ عادي يمكن أن يغلق أو يفتح عوالم كبرى قد تغيّر شيئاً. يغنّي لصور القيامة: “ستسمع صوت البوق وأنت تفارق الدنيا تحت عجلات قطارٍ أو بين يدي جاريةٍ تحسن التأوه والصراخ”.
عضيمة الذي يخاطب طوال المجموعة صديقاً عزيزاً، هو في المطلق يتوجه الى قارئ قد يكون عدواً أو أخاً أو صديقاً حقيقياً أو قريباً أو بعيداً، ذكراً أكان أم أنثى، من مختلف أنواع الكائنات. إنه يختصر كل الألقاب كأنه يجلس أمامك، ويتحدث بجسد الشاعر وإيقاع العابر المتهكم، مرة يصور أحوال شخص خجول يشبهه أو يشبه صديقه. مرة يستحضر قلق العصافير ويطلق صفيره من جديد، يقطعنا ويوصلنا مع مشاهد من قلبه وأخرى من الأفلام التي تصورها عيناه. يساند العاشق مازحاً، يضع حيرته على وجهه ثم يهتف: “لم أكن أتوقع أن تعبر الغيوم في السماء مزحة، وأن المطر الذي سيهطل مزحة، وأن الأعشاب التي ستروى مزحة. وعليه، لم أتوقع أنك ستخرج من البيت دون معطف يقيك أمطار هذا المساء، ولم أتوقع أن تكون عرضة لزكام يقودك إلى الجلوس أمام بيتها صامتاً حتى آخر الليل”.
يدعو عضيمة صديقه العزيز إلى هجر حساسية الشعراء والمشي في اتجاه مغاير للتأمل والتفلسف واللجوء إلى إقامة صداقة مع الوقت من أجل الانشغال بالذات وصنع اكسسوارات مسلّية لها ولتفاصيله اليومية: “المشكلة أن الحزن والألم يحتاجان إلى وقت، ومن لا وقت لديه لا يستطيع الحزن أو التألم. الحزن والألم، بمنطق مقلوب، يحتاجان إلى عاطلين عن العمل أو عن التنفس، كالشعراء والفقراء… أنا منذ ولادتي، غنيٌ بنفسي ومشغولٌ بها من الصباح إلى الصباح”.
يجمع الشاعر مشهد الشعراء بصورة مضحكة، كما لو أنه يقول رأياً نقدياً وهو يطيح كأس كحول سابعة، ويرفع نخب الحوارات التي يديرها في شوارع المدينة مع النقاد والأدباء والشعراء. يصرّ على موقفه من جمال الشعر بعيداً من قوالب الفراهيدي وشكل التقنية البصرية للنص، لأنه يؤمن بأن ثمة شعراً أو لا: “أقسم أنني لم أعد أعرف كيف يريدون للشعر أن يكون: واحد يريده باستعارة ومجازات بلا حدود، وآخر لا يريد أي استعارة و لا أي مجاز، وثالث لا يريد غير الوزن مهما كان نوع الكلام، ورابع يشترط ذكر النساء بوزن أو بغير وزن، وخامس يؤكد بدء القصيدة باسم فاعل أو مفعول، وسادس لا يقيم وزناً لأي شعر إن لم يأتِ على الأخضر واليابس في الأساطير، وسابع يريده للحن والندب والبكاء، وثامن لا يريد شعراً من الأساس، وتاسع وعاشر وحادي عشر فوق السلّم يصرخون بالمشاة: شعراء، شعراء اهربوا… اهربوا”. هذا المشهد يلخص فيه عضيمة مكانة الشعراء في الوقت الراهن، ونظرتهم الى الشعر، صراعهم على المصطلح والشكل، وتأكيدهم حفظ التقاليد البائدة.
وأنت تقرأ “أصل بعد قليل”، تباغتك المشاهد والمواقف الحرجة التي يُشعِرنُها عضيمة برشاقة الأولاد في سرد الأحداث وتركيب الصور اللغوية الحية. إذا تتجول بين مقطع وآخر ومن طرفة الى أخرى، تستولي على قلبك حرارة خاصة تشعلها الدهشة الفرحة، فتسأل نفسك هل من الممكن أن يكون هذا شعراً؟: “قليلاً/ وقليلاً جداً/ من اليورانيوم المخصب/ أو غير المخصب/ أضعه في جيوب سروالي الجينز/ الجديد/ وأكمن لأي قديم قادم في الطريق”. إنه ينسف الماضي ولا يلتفت الى الوراء، سواء أعادته الذاكرة الى الجمال أم الى الألم. لا ينظر، حتى إذا رجع الطريق عليه وجاء مسرعاً، صنع له عضيمة فخاً من اليورانيوم ليفجره ويطير بعيداً عنه الى الأبد. هكذا يقترح علينا أن يكون الشعر لفتة قصيرة أقل من شهقة وأسرع من الضوء. أن يحتاج إلى القليل مما يشعر به ويعرفه الأطفال والرعاة وأولاد السوق عن البيت والمروج والمواخير المملوءة بآثار زبائن عابرين.
سوف تجد حديقة ألعاب صبيانية مليئة بالمفرقعات والأراجيح ومتاهات المرايا حين تفرغ من هذه النصوص الممتدة على طول المجموعة وعرضها، فصاحبها يعطيك تذاكر دخول إلى مدينة ملاهيه الشعرية بذكاء، يرسم ويناقش ويجرّب ويثرثر ويتحدث عن تفاصيل قد تكون تافهة. كما لو أنه يحدّثك الى طاولة في مكان ما، بحنكة دكتور في الأدب العربي جاء منذ قليل من طوكيو، وبعقلية صبي من ضواحي دمشق. كله يتوحد أمامك في الكلمات، وبالرغم من هذا الكم الهائل من المواضيع التي يمر بها عُضيمة في مجموعته، إلا أنه يفلت من قبضة الإيديولوجيا إلى حد ما، ويسخر من طوابع العقائد المغلقة والتراكيب الفكرية التي أنتجت شعراء وسجلتهم على نفوسها.
محمد عضيمة سوف يصل بعد قليل وسوف يضحك معك كثيراً وهو: “يمشي في أحياء دمشق وحاراتها، يمشي ويمشي كما لو كان يريد للشوارع والأرصفة أن تلتصق بقدميه قبل الرحيل والسفر”. ومن بلاد الشمس المشرقة إلى أرصفة الشام الصاخبة، يقدم ذاته كبورتريه شعري ويحذف ما لذ وطاب من قاموس البلاغة وهو يغطّ في نوم عميق بعدما ترك ورقة صغيرة كتب عليها: “أسكر وأسكر/ ولا شيء يفرج في حياتي/ لذا أتملى زجاجتي وأصابعي/ وكؤوسي،/ أبحث عن الطرقات التي من جيلي ومن جيلك،/ ومن جيل الأولاد”؟
