دمشق– من عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأربعاء 11 آب 2010 –
العدد 24130

تختلف معايير قراءة النشاط الثقافي من حيث رصد المشاركة والتفاعل وترك بصمة خاصة لدى الذائقة، فإذا انخفضت المشاركة وتضاءل التفاعل البشري وجدنا أن التظاهرات تقع في خلل يعرقل بناء التبادل الثقافي والاجتماعي على صعيد الكتب مثلاً! هذا ما يوحيه لنا معرض الكتاب الدولي السادس والعشرون الذي أقيم في دمشق على أرض مدينة المعارض الدولية بمشاركة 389 دار نشر و20 دولة عربية وأجنبية في حين أن العام الماضي شهد مشاركة أكثر من 420 دار نشر مع الحفاظ على ارتفاع كبير في أسعار الكتب على رغم انخفاض حركة البيع. عاماً بعد عام نشعر أن إقبال الناس على معرض الكتاب يقل بشدة، ويرجح أصحاب دور النشر أن السبب يعود إلى بُعد مدينة المعارض عن مركز المدينة دمشق حوالى ساعة من الزمن، وأن حلّ مشكلة الوصول عبر وسيلة نقل شعبية جماعية مجانية لا يناسب الجميع. في السنوات الفائتة كان المعرض الذي يقام في مكتبة الأسد يعاني من ضيق المكان على رغم من موقعه الجغرافي في قلب العاصمة، وكانت حركة الزوار كبيرة لكن البيع مستقر. ظاهرة وجود المعارض خارج مركز المدينة تقليد معمم في البلدان العربية للتخلص من زحام السير وضجيج العاصمة، الأمر الذي يحتم وجود مكان متسع للغاية، يتلقف حدثاً سنوياً كمعرض الكتاب الدولي. على رغم ذلك ظلت معظم الكتب الجديدة والقديمة ربيبة الغبار، واقتصرت زيارة الناس على أجنحة كتب الأطفال والكتب الدينية وتقنيات تحفيظ القرآن وغيرها، ما تسبب بازدراء شديد لدور النشر التي تشارك للمرة الأولى في المعرض مثل “دار فضاءات” الأردنية التي أكد صاحبها جهاد أبو حشيش “أن مبيع الكتب لم يتجاوز مئة دولار، على الرغم من أننا حجزنا عبر الانترنت جناحاً مختلفاً عن الجناح الذي حشرنا فيه بعيداً من البوابة الرئيسية للمعرض، لكن الحال أن الناس استصعبت المجيء لبعد المعرض عن مركز المدينة وغلاء الكتب أحياناً”.
شحّ نشاطات الهامش
لم يضف البرنامج الثقافي للمعرض رصيداً مقنعاً من التفاعل الذي كنا نتوقعه، إذ عانى البرنامج من التكرار والروتين في طرح مشكلات حقوق الملكية الفكرية والرقابة ومشكلات النشر وقراءات أدب بعض البلدان بعيون سورية ومعايير النشر وأخلاقياته والفنون في الكتابات العربية المعاصرة، وافتقر البرنامج أيضا الى النشاطات الحيوية التي تجذب جمهور المثقفين والناس، كأن تقام فيه أمسيات شعرية وأدبية جماهيرية لأسماء كبيرة، أو أن تقدم ضمن نشاطاته الجديدة حفلات موسيقية كما حدث في قلعة دمشق حيث غنّى مارسيل خليفة لأكثر من ثلاثة آلاف شخص. فلماذا لم يستثمر هذا الحدث بدمجه مع نشاطات معرض الكتاب، علماً أن المساحة الكبيرة التي تقوم عليها مدينة المعارض تسمح بإقامة حفلات كبرى كحفلة خليفة مثلاً!
غابت لغة الصورة والتسويق والدعاية عن هذا الحدث، ولم يشتغل على إصدار نشرات يومية تواكب الوقائع، كأن تتضمن أهم الإصدارات والعناوين الجديدة ونبذة عنها، أو أن تقوم دور النشر المحلية على الأقل بطرح كتب صدرت منذ سنوات ضمن أسعار رمزية ترغيبية عبر موقع المعرض على شبكة الإنترنت، كما أن المعرض لم يفعّل دور اللوحات الإعلانية الطرقية في المدن بشكل واسع لإتاحة الفرصة أمام القارئ إلى لقاء مع كتّابه المفضلين.
إذا استثنينا موقع وكالة الأنباء السورية (سانا) التي تابعت نشاطات المعرض المتواضعة، وبعض المطبوعات الرسمية، لوجدنا أن هناك الكثير من المنابر الإعلامية المرئية والمكتوبة والمسموعة المحلية والعربية لم تقم بدورها الحقيقي، ولم تدخل إلى جوهر المعرض وتكشف أبرز ما فيه من عناوين جديدة ومشكلات سلبية بحاجة الى حسم، بل اكتفت معظم وسائل الإعلام بأخذ صورة مسبقة عن جو المعرض وإطلاق الأحكام جزافاً بلا أدلة.
منع كتب وعزوف عن القراءة
في “دار الساقي” مُنع كتاب لم يدخل ضمن قائمة العناوين المتفق عليها بين إدارة المعرض وصاحب الدار، وكان عنوان الكتاب كما أوضح لنا المسؤول عن الدار “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” لجورج طرابيشي، حيث سحب من جناح الدار بعد عرضه بنصف ساعة وبيع منه حوالى عشرين نسخة. على عكس ما حدث في “دار فضاءات” إذ مُنع كتاب “في قصور آيات الله”، وهو مذكرات لأسير إيراني، على رغم انه ورد في قائمة الكتب المسموح لها بالدخول.
تصدرت روايات سلمان رشدي وفواز حداد ومؤلفات أدونيس وسعدي يوسف جناح “دار التكوين” السورية في معرض الكتاب، إلا أن صاحبها سامي أحمد كان مستاء من واقع المعرض المرير: “من أسباب عزوف الناس عن القراءة تحول غالبية النخب المثقفة أداة في أيدي الحكومات والأحزاب السائدة وانحياز المثقف الماركسي والقومي إلى طقوس يوم الجمعة ويوم الأحد، ما أدى إلى تفريغ الحياة السياسية من الهوية الثقافية، فغدت هذه النخب تابعة بدلاً من أن تشكل حراكاً سياسياً ثقافياً فعّالاً”. يعزو أحمد أسباب فشل المعارض الدولية الى اختيار غرباء عن الثقافة لإدارة المؤسسات الثقافية، مما يؤدي إلى غياب السياسات الثقافية عن هذه المعارض بحيث يتحول البرنامج الثقافي برنامجاً للاستعراض الاحتفالي.
الأكثر رواجاً
سيطرت الموجة الدينية على بيع كتب العقائد والمراجع الإيمانية المنتشرة بكثرة في معرض الكتاب الدولي السادس والعشرين في دمشق، إذ خصصت بعض نقط بيع الكتب الدينية ضمن صالات موحدة حتى لا يصطدم أحد معهم، على عكس ما حصل مع باقي أنواع الكتب حيث دمجت أكثر دور النشر مع بعضها بشكل عشوائي بحسب ترتيب الحجز، لتجد كتب التراث إلى جانب مجلات التكنولوجيا والحواسيب، وكتب الأطفال إلى جانب كتب الأسطورة والفلسفة والأدب.
أما بالنسبة الى الأعمال الأدبية رواية وشعراً وقصة فقدمت “دار المدى” ترجمات جديدة للروائية هرتا موللر الفائزة بجائزة نوبل 2009 والأعمال الكاملة للباحث هادي العلوي، إلى الأعمال الشعرية لنزيه أبو عفش وترجمة جديدة لديوان الشعر الأميركي وديوان الشعر البريطاني، بالإضافة إلى ترجمات صالح علماني لكتّاب عالميين من مثل يوسا وماركيز وكويلو وبورخيس، إلى أعمال محمد الماغوط الكاملة.أمّا “دار العودة” فقدمت المجموعات الشعرية القديمة لمحمود درويش وأدونيس وأحمد فؤاد نجم وغيرها.
في “دار التكوين” نقرأ دراسات حول “تاريخ الأفكار السياسية” لجان توشار و”سلسلة تاريخ ابن الريوندي” لعبد الأمير الأعسم و”علم العنونة” لعبد القادر رحيم. في الرواية نقرأ “الإنجيل يرويه المسيح” لجوزيه ساراماغو، و”فقير الله” لنيكوس كزنتزاكيس. وفي الشعر نقرأ “الماء ليس وحده جواباً عن العطش” لأدونيس، “قصائد الخطوة السابعة” لسعدي يوسف، وأعمال لوركا (الأغاني وما بعدها)، و”كتاب فاطمة” لمحمد مظلوم و”أصل بعد قليل” لمحمد عضيمة.
في “دار ورد” أعمال منوعة لكل من ميلان كونديرا وباولو كويلو وإيزابيل الليندي وحيدر حيدر، فيما قدمت “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” الأعمال الشعرية لعدد من الشعراء العرب المعاصرين منهم عباس بيضون وسليم بركات ونوري الجراح وأمجد ناصر، وأعمالا روائية عربية لكل من عبد الرحمن منيف وإبرهيم الكوني. بينما قدمت “دار علاء الدين” الدمشقية رواية “الرحيل” للطاهر بن جلون و”الحياة في الحيوات” لنيوتن و”الخوارق والأبعاد” لمعروف الجبلي، إلى “تاريخ الأسطورة” للباحث فراس السواح، وإلى جانبها الأعمال الكاملة لعمالقة الأدب الروسي أمثال غوركي وتشيخوف ودوستويفسكي.
رواج الكتب في هذا المعرض حجز مكانه للأسماء التي باتت مكرسة بقوة، ولولا “السولد” متمثلاً بعشرين في المئة حسماً على أسعار بعض الكتب لما جاءت قلة قليلة من المهتمين لاقتناء تلك الكتب. هكذا يودع معرض الكتاب الدولي سنته السادسة والعشرين وهو “يتألق” وحيداً بلا تأثير.
معرض الكتاب الدولي السادس والعشرون في دمشق “يـتــألـــق” فــي وحـــشـــتـه بــعــــد هــجـــــــرة الــقـــــــرّاء!
0
