جريدة النهار اللبنانية
الثلاثاء 28 أيلول 2010
العدد 24176
حوار عمر الشيخ – دمشق

سمر يزبك روائية وإعلامية سورية حجزت موقعها على خريطة الأدب السوري الحديث، تشاغب في عوالمها الخاصة لتبني نهايات مفتوحة على أسئلة كبرى في الحياة. عملت ناشطة في مجال حقوق المرأة وحريتها، وهي محررة في موقع “نساء سوريا” الإلكتروني. قدمت للتلفزيون برامج ثقافية وفكرية من خلال “الفضائية السورية” وتلفزيون “أورينت”. أصدرت لها “دار الآداب” روايات عدة، منها “صلصال”، “رائحة القرفة”، وأخيراً “لها مرايا”. في دمشق حيث تقيم سمر يزبك ولمناسبة توقيعها روايتها الجديدة، أجرينا معها الحوار الآتي:
• بدأت بكتابة القصة القصيرة، هل ضاق بك السرد المجاز لتختاري حقل كتابة الرواية؟
– ما علاقة ضيق السرد بالقصة؟ هذا يشبه أن تقول لصائد فراشات: ذهبت ترمي بنفسك في البحر، هل ستصيد السمك عوضاً من الفراشات؟ أكتب القصة بين حين وآخر، واحتفظ بمجموعة من القصص لم أنشرها، وأحنّ إلى كتابة هذا الفن الصعب، لكن الرواية غلبتني، بمعنى أن الموضوعات التي كنت اشتغل عليها كانت تحتاج إلى مزيد من التأمل والمساحات الشاسعة بين الشخوص، وكانت تحتاج أكثر من ذلك إلى رغبة في العيش أكبر قدر ممكن داخلي. ثم إن القصة تمنحني الشعور الموقت بالعيش، بينما الرواية تمنحي عمراً، وأنا منحازة بطبعي الى الحياة.
• حكي منامات، هل أعاد حنينك إلى كتابة القصة القصيرة، أم هو تأثر بتجربة ادواردو غاليانو؟
– حكي منامات “جبل الزنابق” هو كتابي المفضل حتى الآن، ولم يخرج كحنين إلى القصة، خرج كهذيان، اكتشفت فجأة أنه نصوص أدبية. أحلام وكوابيس من نمط الكوميديا السوداء والرومنطيقية القروسطية، جمعتها وحوّلتها كتاباً. فكرة تحويلها كتاباً، كانت فرحاً مني بنهايتها ليس على شاشة الكمبيوتر فقط، بل داخل رأسي أيضاً. أما أن تقول لي إنها تأثرت بإدواردو غاليانو، فحقيقة لا أجد شبهاً، لكني سعيدة لو أكون تأثرت به، فأنا واحدة من معجباته!
• هل تفصلين حياتك الطبيعية عن عملك في الكتابة، وإلى أي درجة ينعكس ذلك على تصرفاتك بوصفك رسامة أحداث وصاحبة نفس سردي يمكنه أن يؤثر في محيطه بقوة؟ كيف تشرحين تأثيرات هذا الازدواج في شخصك؟
– أنا منحازة الى نفسي في الضرورة، وسأجيبك بما لا يرضيك. إذا أخذت سؤالك على نحو وجودي أعمق، نستطيع الحديث عن فكرة تعدد الهويات التي تغويني، والتي ربما لأجلها أعمل في مجالات عدة، أعمل وأعيش أيضاً، وأنا مصرة على تقويض الأفكار الثابتة حول الهوية. ما قلته أنت عن “الازدواجية” يشبه رؤية واحدية في طبيعة العيش. الحياة ليست أفكاراً ثابتة وأفقية، إنها متداخلة وملونة، والدليل على ذلك اختلاف قيم المعايير الأخلاقية بين المجتمعات بحسب تقدمها وتطورها وتخلفها! لكني بالتأكيد وعلى رغم كل شيء أحاسب نفسي وبمسوؤلية كبيرة عما أفعله وأكتبه وأفكر كثيرا في المحيط الذي أعنى بتغييره.
• كتبت في الصحافة وعملت في تلفزيون “أورينت” والقناة الفضائية السورية، ماذا أضافت تلك الأعمال اليك، كروائية، بعدما هجرتها تقريباً؟
– كانت تجربة العمل في “أورينت” بسيطة، لم تتخط أشهراً عدة، ربما عملي في الفضائية السورية في إعداد برنامج ثقافي وتقديمه، أو في كتابة الأفلام، كان أكثر أهمية بالنسبة اليَّ، فالعمل من أجل الكاميرا وأمامها والكتابة لها، والروح الجماعية للعمل للتلفزيوني، حدّت من برّيتي. أنا لا أندمج بسهولة، وأنعزل فترات طويلة أثناء الكتابة. التلفزيون جعل علاقتي بالآخرين أكثر سهولة.
الصحافة أمر آخر. فهي تعطيك مادة للكتابة، وخصوصاً في التحقيقات الصحافية التي أنجزتها حول واقع النساء في سوريا، إذ جعلتني على تماس مع أدق تفاصيل الواقع، وحفزتني لمزيد من الكتابة.
• كيف تختارين أحداث رواياتك بعيداً من التأثر بالتجارب الكبيرة للرواية العالمية النسائية وخصوصاً أن الرواية النسوية في سوريا لا تنتمي إلى هوية سورية فعلاً، فهي مزيج من المحلي الموغل في المحظورات الاجتماعية كالحديث عن قضايا الجنس أو عن مراحل حساسة من تاريخ البلاد نستحضر منها الأخطاء، أو الحديث عن أسرار العائلات العريقة وكشف خفايا لا يجرؤ لا التلفزيون ولا السينما على المساس بها. باختصار عندما تكتبين، هل تعزلين نفسك عن أبطالك بحيادية، أم تتركين النمو الدرامي مفتوحا على الاحتمالات خصوصا في نهاية الرواية؟
– تقول إن الرواية النسوية السورية لا تنتمي إلى هوية سورية، ومن ثم تتحدث عن مزيج من المحلي؟ سؤالك متناقض! اعطني اسم رواية عالمية ليست إلا مزيجا من هذا التاريخ الخاص: أسرار عائلات، كشف خفايا الخ.
مللت من الحديث الممجوج عن التابوهات المفترضة! الجنس، مراحل حساسة من تاريخ البلاد. قل لي: أليس الجنس جزءاً من الحياة؟ أليس في تغييبه تزويراً في الكتابة؟ هؤلاء الذي ينتظرون كل كاتبة أو شاعرة تخرج بكتاب وينقبون بالمجهر عن الجسد في ما تكتبه، يمارسون تلصصاً رقابياً سطحياً، ينسون النص برمته، ويركزون على جزء من سياقه. الجسد هو ما نعيش فيه، والحديث عنه ليس عيباً، تحديداً الحديث عن الجنس، إنه احتفال بالحياة نفسها، وجزء من الاحتفال بالعقل أيضاً، الجسد والعقل يخيفان هؤلاء لأنهما يقوّضان سطوتهم.
المراحل الحساسة هي خوفنا نفسه، هي تاريخنا المعاصر الحاضر أيضاً. هل نكتب عن معاناة الأميركيين مثلاً حول حقهم في الضمان والتأمين الصحي؟ طبعاً سنكتب عن حياتنا، وعن كل ما فيها، أنا اسألك: لماذا التركيز والهجوم على النصوص التي تنبش في الواقع بعمق وجرأة؟ وهي لا تنبش عبثاً، إنها تفعل ذلك كنوع من مقترح جمالي في العيش.
• لا يزال هناك خطوط مقطوعة في “لها مرايا”، تحتاج إلى إجابة، هل تشعرين بذلك؟
– الأدب لا يقدم أجوبة. الأدب يقدم أسئلة. تغويني النهايات المفتوحة. في كل رواياتي لا يوجد أجوبة، والنهايات معلّقة في الفراغ مثل سؤال الموت الذي لا يشيخ.
• غلب ضمير الراوي على أجواء الرواية، ألا يبعدك ذلك قليلاً عن الانسجام مع أبطالها؟
– الراوي الكلي المعرفة هو الصيغة الفنية المحببة إليّ، ربما بسبب سطوتها وقدرتها على الرؤية من فوق مسرح الأحداث والشخصيات. فنية الرواية وأهميتها، لا تحددها الصيغة الفنية لبنية الرواية، سواء أكانت بضمير المتكلم أم الغائب أم الكلي. هذه الصيغة لا تبعدني عن الشخصيات. لست مطالبة بالإنسجام مع الشخصيات، هذه رؤية منقوصة لبنية العمل الفني ولآلية الكتابة.
• في السرد الروائي يبدو انك تفضلين بناء الشخصيات ضمن فصول منفصلة متصلة، من ثم تقومين بربطها عبر الأحداث. ألم تفكري في الدخول إلى التحليل النفسي والإنساني لبناء تلك الشخصيات ولو عبر تفاصيل صغيرة لا يلتفت اليها أحد؟
– التحليل النفسي! أريد مثالا واحداً على ذلك؟ هل تعتقد أنه يجب تقديم شرح تقريري عن كل شخصية حتى تكون قد قمت بتحليلها نفسياً، أم يجب إتباع طريقة السرد الكلاسيكي في الحديث عن الشخصية حتى تكون قد أوفيتها حقها؟ أحب بناء شخصياتي بطريقتي. عندما كتبت فرجينيا ولف رائعتها “السيدة دالووي”، كانت نصاً غريباً وغير مقبول في السرد والفن الروائي عموماً، بعد مرور بعض الوقت كانت روايتها من أهم الروايات في العالم. ما المشكلة في التحرر من مرجعياتنا من دون نفيها. لا تنس أنه مع الوقت، سنصبح أيضاً محطة سلفية لجيل جديد، سيكون له خصوصيته، من دون أن ينفي خصوصيتنا.
• عندما كنت تصورين لنا ليلى الصاوي، تخيلنا شخصيات حقيقية من الواقع، إلى أي درجة ترتاحين مع روايتك بتركيب الأحداث ورفع درجة تشويقها وخلخلة تصور القارئ: حين تكون الرواية من أحداث الواقع وتتقاطع مع الذاتي واللاذاتي، أم حين تبني خلالها تصوراً معيناً لا يمت الى الواقع بصلة؟
– أكتب النص، كما لو أنه لوحة فسيفساء. تحديداً في “لها مرايا”، لا وجود للذاتي إن أردت التلميح إلى سيرة ذاتية، ثم إن مفهوم الواقع والخيال في النص الروائي يتماهى إلى درجة يصعب الفصل فيها. الواقع في النص يشبه جذر شجرة، والخيال هو أغصانها المتفرعة والمتشابكة.
• في النصف الثاني من الرواية نجد ليلى تروي قصصاً من خيالها عن السلطان سليم الأول. ما قصة دخول تلك الأحداث في عمل روائي مضت عليه بعض السنوات؟
– بل مضت عليه مئات السنوات، وليس بعض السنوات. الروائي يحق له العودة إلى العصر الحجري، إذا كانت العودة تخدم فكرة النص وفنيته! الحديث عن السلطان سليم الأول لم يكن عبثاً. كان ضمن سياق الحديث عن المجازر التي ارتكبها الأتراك في حق العلويين عقب دخولهم مدينة حلب سنة 1516.
• هربت الجغرافيا الملموسة من “لها مرايا” قليلاً، فقد اكتفيت بتسمية شارعين من دمشق او ثلاثة، وبقيت الأمكنة مجهولة الأسماء. ترى ألا يضعف ذلك من قوة الرواية بالنسبة الى انتمائها الزمني والتاريخي؟
– الفن ليس معنيا بنقل الواقع تماماً. الفن يؤوله ويلمح إليه. ليست الرواية فيلماً وثائقياً. هناك إشارات متفرقة في النص إلى تاريخ الأحداث، خصوصاً في الستينات عندما تسلّم حزب البعث الحكم في سوريا، وفي السبعينات بعد تسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة.
• في “رائحة القرفة” حكم العمل خطان دراميان رئيسيان تديرهما امرأتان من عمرين وطبقتين اجتماعيتين مختلفتين، هل قصدت بذلك حكاية فيلم قصير عن الفقر، على عكس ما وجدنا في “لها مرايا”، التي تحمل خطوطاً حكائية متعددة ومتدرجة الحضور؟
– لكل رواية بنيتها الفنية الخاصة بها. “رائحة القرفة” “نوفيلا” وبنيتها السردية مختلفة عن بنية “لها مرايا”. في “رائحة القرفة” طغت المشهدية البصرية والتقطيع السينمائي على الفصول، وهي الصيغة المحببة إليَّ في الكتابة. في “لها مرايا” تراجعت هذه المشهدية، لكنها موجودة.
• “رائحة القرفة” رواية عن الفقر بامتياز، ولكن طرح قضية السحاق وربطها بوجود طبقات اجتماعية متدنية وأخرى رفيعة يبدو مألوفاً قليلاً، ألا يتسبب لك ذلك بنوع من الشعور بالاستهلاك الجمالي لوقع هذه الجرأة؟ لماذا لم تغوصي أكثر في طرح أكثر من حالة لأكثر من شخصية؟
– سألتني منذ قليل عن البنية الفنية لـ”رائحة القرفة”، وأعتقد أن جوابي كان وافياً. بالنسبة الى السحاق، لا أعرف لماذا يخيف الجميع الحديث عنه. أولم اعتبر أنه محور الرواية، وكان جزءاً من استغلال انساني. إنه تفصيل من هذا الاستغلال. لا أعتقد أنه أمر مألوف الحديث عنه، متى ارتبط السحاق بالاستغلال في السرد السوري أو حتى العربي؟ هل استهلك فعلا الحديث عنه؟ ولماذا استهلك؟ لأنه مرتبط بالجنس؟ ثم ان وصف العلاقة بالسحاق تسمية غير صحيحة، لأن العلاقة الجنسية بين انسانين تفترض الإرادة الحرة، والرغبة، وعندما يكون هناك ميل جنسي مثلي يجب أن لا تحكمه القوة والسيطرة والإكراه، كما حدث في “رائحة القرفة”. ما حدث هو استغلال جنسي، طرفه الأول امرأة.
• حُوِّلت رواية أحلام مستغانمي “ذاكرة الجسد” مسلسلاً درامياً. ما هي المفارقة في أن تنقل الرواية الى الشاشة الكبيرة أو الصغيرة أو ان تنتشر على أساس أنها عمل أدبي لا ينتمي إلى مخيلة فرد وحسب؟ هل يفقدها ذلك من خصوصيتها وجماليتها؟
– هذا يتوقف على النص الروائي، وفريق العمل التلفزيوني، من ممثلين ومخرج وكتابة سيناريو. أنا معجبة بالآلية التي حوّلت بها الكاتبة ريم حنا الرواية لتصير مسلسلاً تلفزيونياً، فيها جهد كبير، لأن الرواية ذهنية، وتحويلها مشاهد بصرية أمر في غاية الصعوبة، على رغم أنه لا تخفى على أحد الموهبة البصرية التي يبرع فيها نجدة أنزور في إخراج مسلسلاته عادة، لكني في العموم ضد فكرة تحويل الرواية مسلسلاً رمضانياً من 30 حلقة، أي مصنوعة خصيصا للسوق الرمضاني. تحويلها فيلماً، كان ليكون أكثر جمالا وجدوى.
• إلى أي درجة تجدين أن هناك جدوى من إشراك باقي الفنون في أحداث الرواية، كالمسرحة والشعرنة والتكنيك السينمائي والموسيقى والرسم؟
– الجدوى كبيرة والفنون متداخلة عموما. الروائي رسام لوحات بطريقة ما. شخصياً ومن دون شعور مني، تجد الشعر والمسرح والسينما في رواياتي. أنا مفتونة بالسينما، وكان عندي حلم طفولي بصنع أفلام سينمائية. واحد من أهم طقوسي اليومية التي لا أحيد عنها إلا لطارئ، مشاهدة فيلم سينمائي. المسرح بعيد عنا، ولا يوجد لدينا حركة مسرح، لكني أثناء كتابة الرواية، اشتغل على مسرحتها، المسرح في النص الروائي يعطيها بعداً أعمق بكثير، وخصوصاً إن كان مسرحاً صامتاً، والمشهدية البصرية الحركية، تخلق فضاءات تخيلية لدى القارئ.
