«متى أُصبح خبراً عاجلاً» لـ عمر الشيخ ومن يُطلق رصاصة الرحمة

جريدة النهضة العدد 492 – دمشق
د. طارق عريفي

بعد الـ«سم بارد» الذي جرّعه عمر الشيخ لقراء الأدب ومتذوقي الشعر أصدر ديوانه «متى أصبح خبراً عاجلاً» الذي يقف فيه مع دواوين فترة الستينيات والسبعينيات؛ حيث أخذت تلك الدواوين الشعرية تعجُّ بموضوعات المدينة والغربة والاغتراب والألم، ويسودها الصراع ذو الجانبين، صراع مع الواقع والحياة المريرة وصراع مع الذات التي ترفض وتتمرد وتروّض لتجبر على الخنوع وإلا فستواجه مصيراً لا يروق لأحد؛ فتزوي في أقبية المدينة وعينها ترنو إلى شوارع المدينة المتلألئة الأنوار، وتضيع في الأزقة الضيقة، وهي تروم الشرفات الواسعة المطلة على الأشجار الخضراء التي تسوّر البيوت، وإذ ترجو شيئاً فإنها ترجو أن تتحول تلك النفس بشاعرها إلى حطاب في غابة بعيدة أو راعٍ في بادية قصية في تعبير عن الانهزام أمام قسوة المدينة، تلك المدينة التي عملت بإغوائها وإغرائها على جذب الناس إليها من كل حدب وصوب ليحققوا فيها أحلامهم وأمانيهم ويعودوا إلى حيث جاؤوا، وقد امتلأت جيوبهم ولمعت أحذيتهم واسودت نظاراتهم، وبالطبع لا تسأل عن السيارة الفارهة التي تراود تلك الأحلام ماذا تعني المدينة: (أضواء الإعلانات/ من أعلى برج دمشق/ مكيفات ميتسوبيشي/ صوتيات سوني/ محليات آلامنا الواسعة/ وتلك العالمية على أسطح ضعيفة/ الفارهون في مقهى روتانا الأخضر/ الأرصفة أمام السفارات / المدينة بهوائها الأصفر/ تبث موجة القمر الصناعي المعطل/ لأنها الوكيل الحصري/ لمستحضرات الألم/ على خارطة العالم).
تلك هي صورة المدينة الغواية والخطيئة التي ارتكبها في القدوم إليها طمعاً بشهرة ما وبثروة ما وبفتاة ثرية عليها تلتقط من الشارع هراً جائعاً: (تمطر الشام بالإغواء/ كأني مارد شهوتها/ أنا المغلول بجنازير حسنها/ أُعري رجولتي باكتمال العناق/ كي لا يزنر/ عينيَّ شَبَقٌ كالملايين/ أتوحم/ على مشروباتها الروحية/ وأحبل بعيون صباياها/ في قاع رغبتي).
وبذلك لا يجد من المدينة وإغواءاتها إلا آلام رغبة مخنوقة وحسرة مقتولة فتنكسر الأحلام وتتدنى الأوهام وتنزل الرغبة إلى القاع فتتحول الرغبة من دونجوان يسحر النساء بحسنه، وكازانوفا يُميل رؤوسهن بطلاوة حديثه، تتحول الرغبة إلى: (يا ليتني/ سائق (تكسي) تافهاً أدندن هوسي/ على كندرة راقصة/ ألوي بوساختها/ عيون الشرق/ وأفتح على حربة الهلوسات كجندي مشاكس).
وبذلك يعيش «الشيخ» في غربة عن المجتمع الذي هو فيه، وفي اغتراب عن الجسد الذي يحمل ثقل روحه: ( وطن/ كالغربة/ يُصدّر الكآبة/ لقلوب أبنائه/ كفيل بشل أحلامي) وتسلمه الغربة إلى الضياع (أضيع مني/ لا أجد وجهي لأنه لا يجدني/ أغمض قلبي/ وعروق جسدي/ تأخذ إجازتها السنوية/ هذا الصباح/ وتسلمني للغياب/ لست أنا الذي/ هو الآن)
وتزداد الحياة في المدينة اسوداداً واكتئاباً، ويُضاف إلى آلام الغربة والاغتراب والضياع آلام الوحدة، تلك الوحدة التي لن تمحو آثارها أي إنسانية؛ فقد جاءت من خلال موت «الميمة» وأي امرأة تقدر أن تحل محلها: (نغمة “لما ع الباب يا حبيبي”/ تعلو/ تدريجياً من حقيبتي/ فيروز/ مساء 17 من آب 2008 تتوقف عن الغناء/ لأني أجبت/ على هاتفي النقال/ صوت «وليد»/ يختنق بالدنيا والموت/ يقول «ماتت أمنا»/ أي رب/ جعل قلبي يُهرس/ كقطة رعوية/ تحت دبابة مسرعة)
بإمكاننا من خلال هذه الصورة أن نقف على حجم الألم الذي تسبب به؛ فقد تلك الأم التي كانت هي الدنيا وما عليها، وأن نقف على حجم المعاناة التي أُضيفت إلى آلام الشاعر الذي ظل الحزن والألم والخوف والهروب يلاحقه منذ طفولته، ولم يتركه حتى عندما أخذ يدون آلامه بين سطورٍ هي بحاجة إلى كثير من تنقيح الألفاظ وتشذيب الصور وتهذيبها: (هنا/ زاوية الحارة/ تفتح مذكرة/ بحث عن صوتي المحبوس بين فكي قط/ يُخرش أكياس الزبالة/ باحثاً عن أشلاء طفولتي المخدرة حتى الأبد/ مختبراتي كروز دخان/ مهرب تحت الثياب/ أخلطه مع سائقي السيارات العابرين/ من كل ألوان الناس/ استراحتي الوحيدة/ هي سند إشارة المرور الخضراء/ بعد قليل سأهرب من دوريات الشرطة/ سأخلد قرب البقرة حيث مخزن أسراري).
ومنذ تلك الشارات الخضراء والصفراء والحمراء ومع تتابعها، ظل صاحب «متى أصبح خبراً عاجلاً» هارباً من أيامه وزمانه ومن سلطة الرقابة، ولا يجد راحة إلا حين يخلد قرب المقبرة مخزن الأسرار باحثاً عن شهرة تضع اسمه في الشريط الإخباري للفضائيات، وقد سبقه «خبر عاجل».

Dr-arefe@scs-net.org

أضف تعليق