“متى أصبح خبراً عاجلاً” لــ عمر الشيخ .. البحث عن جماليات الحب في مناخات مدينية

جريدة النهار اللبنانية
لاثنين 08 آذار 2010
العدد 23980
راسم المدهون

مجموعة عمر الشيخ الشعرية الثانية “متى أصبح خبرا عاجلا”، (منشورات دار التكوين، دمشق 2010) تذهب إلى القريب، بل إلى الأشد قربا بالمعنيين المتصلين بالمكان، أو بالذات نفسها. هو ينسج عوالمه الشعرية من الرؤية المباشرة للأشياء المحيطة، في سعي الى القبض على صور الحياة، كما تراها حدقته الداخلية، من خلال رؤية فيها الكثير من عبق الحسّي، وشقاوة تنقّله وانشغالاته.
ينتمي عمر الشيخ الى الجيل الأحدث في قصيدة النثر السورية، لكننا على الرغم من هذا الانتماء، نلحظ غيابه بعيدا عن السرب، ووقوفه في مكان قصيّ يطالع منه تفاصيل وينشغل بهموم لها مذاق مختلف ونكهة مغايرة:
“فمي يمرّن لساني/ على ابتلاع/ حنطة جسمك الطازجة،/ يدفع لكلّ مخزن/ خمس مصّات،/ تتحوّل بعد دقيقة/ إلى قلب/ يسخن كمحوّل جهد/ بتوتر ألف ميغا امبير”.
قصائده تناوش الرغبة من حالاتها “الأليفة”، أي من عاديتها، واشتعالاتها في اليومي، البسيط والمركّب معا، والذي يحتاج أن تهيئ له القصيدة عدّة المشهد الشعري، واللغة المزدحمة بكثافة المعنى. هي تفعل ذلك بسردية خاصة، تحدّث عن الذات، ولكن في سياق الحديث عن الآخر، والأهم في سياق رؤية تتناول الراهن في الشوارع والعلاقات الإنسانية.
قصائد لا ترغب في تورية أو تمويه. يأخذنا العنوان إلى ذلك، وهو “يماشي” لغة الأخبار في القنوات الفضائية العربية، وإذ يستعيره الشاعر، فإنه يبتغي دلالاته، ويستحضر راهنيته التي تضمر المفاجأة وتعلنها في الخبر، مثلما تضمر في الوقت ذاته تطلعا الى الزجّ بالذات في غمرة العام، المتسارع، والمكشوف تماما للآخرين: “بيرة؟/ قالت صوفيا/ لم تسأل أحدا،/ إنما صدرها/ يغري بليمون نافر الحموضة،/ وكثيرا/ كثيرا/ يشبه نهرا من البيرة”.
تنتمي اللغة الى تركيبية بسيطة، تقترب كثيرا من العادي، المألوف، والمتداول، والذي يبدو أقرب إلى لغة الصحافة. فالخطاب الشعري هنا يقوم أساسا على مناوشة حالات الجسد في يوميات مدينية تنفتح على أماكن تحمل دلالات، أي أن اللغة تقترب كثيرا من مرجعياتها المكانية وأبطالها من البسطاء والعاديين. في سياق لغة كهذه تبدو قصيدة النثر تعثر على معادلها، فتستعير منطقها الخاص، المشحون بالمشاهد، ولكن في غير إزدهاء باللغة وزينتها، ومن دون احتفال بالبحث عن وهج لاختيارات لغوية خاصة. لا يعير الشاعر هذه كله أدنى اهتمام، بل يغادره نحو رغبته الواضحة في التعبير عن حالات عاطفية تمتزج بالرغبات الجسدية: “الجميع يولدون عراة/ وزعرانا/ ثمّ يصبحون/ ما لا يشبههم/ لكنه يرضي/ الآخرين”.
في مقاطع كهذه يعود عمر الشيخ الى الزج بقصيدته في عوالم عرفتها كثيرا قصيدة النثر السورية منذ رائدها الأهم الراحل محمد الماغوط، ولكننا مع ذلك نلمح المدى الذي قطعته هذه القصيدة، حتى وهي تكتب عن أجواء السياسة وتناقضاتها ومفارقتها، حيث المشهد أكثر هدوءا وأقلُ مفاجأة، إذ يكتب الشاعر بلغة تطفح بحرارة أخرى تأتي هذه المرّة من علاقة وطيدة بين الفكرة والصورة، فقصائد المجموعة كلّها تقوم على رسم صور وتركيب مشاهد.
هي تجربة ثانية، تتجاوز كثيرا ما قرأناه في الأولى، إذ نلحظ اهتماما أعلى بصياغة الجملة الشعرية، وبحضور المخيلة على نحو أكثر شفافية وسلاسة.

أضف تعليق