أقفُ بمريولٍ أبيض” لفايز حمدان: إشتهاء الأمكنة ورتق الذاكرة

عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأربعاء 19 آب 2009
العدد 23789

أقف بمريول أبيض
أقف بمريول أبيض

يستطيع القارئ في مجموعة الشاعر الفلسطيني فايز حمدان “أقف بمريولٍ أبيض” الصادرة حديثاً عن “دار نينوى” الدمشقية، تلمّس الملامح الحقيقية الواضحة لصور شخوص وأشياء وحوادث عبرت الذاكرة وفتحت في أطرافها فجوات من الحنين يستخلصها الشاعر بسكّينه الرطب، فيقدمها بحيويتها فلاشات فضية من اللحظة الآنية فقط، ذاهباً في قصائده إلى هموم الذات، من وطن غائب إلى أرصفة موحشة تربّت بفزعها على أكتاف المتعبين بكل مرح. ينقل الشاعر تزاوجاً صوريّاً بين رجل الغربة والسفر والمتناثرين في شوارع مدينته الرمادية: “امرأة شاحبة/ لكن العيون حنونة تماماً./ الغريب أيضاً/ غريب هذا النهار. /لا تقلق/ بعد حقن المخدر/ سوف تشعر بارتياح/ بينما غربان المتحف الوطني/ تستعد للحراسة/ لم يعد يرى/ جبل قاسيون/ ولا الطائرات/ ولا الغربان في سمائها”. هي دمشق التي غادرها فايز حمدان، كما يروي، في أوائل التسعينات ليلتقي لندن والبيكاديلي من أجل ثلاث قصائد فقط. كان من المفترض أن يتخصص هناك في طب الأسنان لكن شبهة الشعر هي التي امتلكته، ولم يشأ أن يتخلص من لعنتها. بعد أشهر يعود خاسراً كل ماله. وحده الشعر لن يخذله. أكمل في جامعة دمشق دراسة طب الأسنان، شاعراً من نوع خاص: “شوارع دمشق تعرفني/ أرصفةٌ ضيقةٌ ودافئة/ وحدي تعرفني/ معكِ تعرفني/ ويعرفنا المصعد والمتسكعون/ في البيكادلي لا إتجاه لي/ ولا رصيف عريض/ يوقفُ ارتباكي”.
يستخدم فايز حمدان تفاصيل حياته المهنية طبيباً للأسنان، كتيمة تحضر بقوة في مجموعته. الطرائف والمفارقات التي تصادفه في عيادته، تجعله متمكناً من ضبط نصه اليومي والبديهي، الذي لا يخلو من الحرارة الشعرية والبياض: “الممرضة الثقيلة الظل والخفيفة/ تسمع وتمشي/ بحذاءٍ عالٍ وأزرق./ اضغط على القطنة جيداً/ وإذا استعطتَ/ على الزناد”.
قبل الوله بشهقتين، يتسلل الشاعر إلى أماكنه الغريبة، يمارس طقوسه في التقبل من دون أن يلفت نظر القارئ الى أن ما سيتم تماماً هو التقبيل الخاطف، خطوة تلو الأخرى، بحنكة رجال الفضاء وقفزهم المضحك كالعصافير. يتناول فايز الشاعر ويضعه أمامه. يركله نحو ذاك المصعد بعدما هجر الموظفون مكاتبهم وظل البناء العالي مخدعاً متسعاً من العشق: “عند الساعة الثالثة تماماً/ بناءٌ هادئٌ/ موظفون غادروا/ منذ ساعةٍ تقريباً/ ومصعد يفتح بابهُ/ لمشعوذٍ يجرُّها/ بأقدام لصٍّ/ ولهاث معارضٍ هارب”. يركض الشاعر على رغم القلق وفوق احتمالات المدينة العاصفة بقيلولات الصيف، يُمِرّ لهاثه عبر شفاهِ حبيبته، ويترك خيالنا ماكينةً إسقاط ضوئي تدور وتفصل الصور والمشاهد بمحرّك شعره.
لغة الديوان تنتزع غطاء الإيديولوجيا عن قصيدة النثر، وتقدّم صوراً سينمائية مكتوبة بعيداً من التقنين الخيالي، وتفرد مساحات للتأمل وإلتماس الصوت كما لو أنها بورتريهات لشخوص تصادفهم حياتنا ويعبرون بمزيد من الشفقة: “شعري طويلٌ/ جسدي نحيلٌ ولم أغتسل منذ قرون/ إنني متعطشٌ للمطر/ وفي المعطف الأسود تختبئ غيمةٌ/ معجونة بزهر السوسن والميموزا/ ميتٌ قبل أن أراكِ/ ميتٌ/ ومن عينيكِ تولدُ الحياة”.
ترى هل يقصد فايز حمدان مناجاة ذاته وخيباته البعيدة، الكبيرة في قساوتها؟ أحياناً يعتقد العاشق أنه لم يتغير وأن حبّه الأول لا يزال هو هو . إلا أنّ المنفى وحده حياة ثانية ومؤلمة دائماً.
شاعر “بمريولٍ أبيض” يتجرأ ويكتب نفسه بلا تقاليد شعرية. يكتب كل بياضٍ يمكن أن تصادفه عيناه بلغةٍ لا تخلو من التفكّه والكلام البسيط الخارج فوراً من أفران الحواس اليوميّة التي تدوّن القليل وتترك هذا الشاعر يعيش الكثير من الشعر في أمكنة الذاكرة والشام.

أضف تعليق