“موهبة المهن” لرودولفو رودريغيز: أنا الوارث الكلمات والفنون أرسم بطنكِ

عمر الشيخ
الثلاثاء 01 أيلول 2009
العدد 23802
النهار اللبنانية

موهبة المهن

تأخذ تقنية اللغة الومضية في مجموعة “موهبة المهن” للشاعر الفنزويلي رودولفو رودريغيز، والصادرة أخيرا بالعربية عن “دار التكوين” (ترجمة عبدو زغبور)، شكلاً نثرياً يشي في متنه الشعري بتكوينات حسية تفكك الأشياء، وتفتح في بهو العاطفة الكثير من الانفلات الصوري، حيث تُعتبر كل قصيدة وحدة شعرية متماسكة قصيرة، تفسر في سيماء العنوان أثر الحالة النفسية التي تشظت في أعماق الشاعر إلى شكلها الأخير في النص.
غواية التفسير التي أشاعت رؤية الشاعر في هذه التجربة، تقودنا الى القول إن الشاعر ممثل عن كل ذاك الغياب من التفاصيل العابرة، ويصمم رقصةً لكل قصيدة بحسب ما ينفعل إيقاع القارئ مع اللفحات الشعرية المتطايرة.
“موهبة الدم”، “موهبة الروح”، “موهبة الرغبة”، “موهبة الألم”: على هذا المنوال في اختيار العناوين يرتبط المناخ الشعري للمجموعة بطابع الخصوصية في قول ما هو ذهني، بحيث يدخلنا رودريغز إلى عالمه الشعري بواسطة القصيدة الفلاشية التي تعتبر طائرة ورقية رطبة تغامر في غيوم أشعاره الرشيقة: “أليس من الترف الجيني يا ترى/ أن يكون إرث السلالة/ موهبة تطل من العمق والرماد؟/ في كل خطوة أخطوها أجد حجة/ في كل صفحة من الجسد أضع الخطوط الأولى لكتاباتي”.
هذا الهوس الدموي بالكتابة يجعل كل شيءٍ شعراً. فمهنة الدم التي تولد مع الخليقة، يمكنها أن تتخذ الكتابة سبيلاً يجعل أجسادنا دوماً تغني الحياة.
لم تقم اللغة في قصيدة “موهبة اللغة” بإحالة الحروف على التقاعد، فحسب بل قدمت شكل الخطاب الحقيقي لهوية الرغبة، واللعبة هي توحد تقنية الإيروتيك المادي مع الاشتقاقات الجسدية الرمزية لحالات الحب في نص الشاعر: “الآن إذ أرسم بطنكِ/ يسعى الحبر لإعراب الأفعال:/ بناء زمنٍ وضوء في الخراب/ كل شيء له لكنة اللغات الميتة نَفَسُ المفاجآت الذابلة/ الآن إذ أرسم بطنك/ تعود الليالي حالكة، وشوارع ضيقة خالية/ مكممة في أعمالي اليدوية الخرقاء”.
هذا الاستحضار الأخير لدمج ما هو واقعي بالخيال الباطن، يقدم القصيدة كعمل فخاري يذوب في صوت الذكريات.
وتبرمج المجموعة القارئ تدريجاً لتضعه في حواف المتعة، عندما تحدثه “موهبة الروح” عن نواتها النورانية تقول: “كلك/ ذات هادئة، شكوك، روح صامتة”. فالصمت هو تفسير وجود الروح في ذاتها مقدمةً على مفارقاتها التي تغير العالم بلا ضجيج. تتحكم بالعقل والقلب ولا تقوى على مجابهة أحد، إنما ترمي صاحبها إلى الشكوك والمجابهة والمواقف المتقلبة والصادمة.
في “موهبة الرغبة” ثمة مشهد درامي عمره لحظة حرجة، لم يترك الشاعر مكاناً مشتعلاً إلا رمى فيه المزيد من الدقة والتفاصيل الغريبة، مما يسعى الى جعلك تتخيل وأنت تقرأ هذا المقطع: “دمك/ لم يعد عبيراً مراقاً فوق السجادة/ ثمة رغباتٌ في سلالم لا نهائية/ أزهارٌ مبعثرة فوق الدرجات/ ومديةٌ مسنونة للقتل تحت الطاولة”.
مجموعة “موهبة المهن” الشعرية تفصل عالماً مستقلاً من التهكم والحرارة العالية التي تنزف من التكنيك الخيالي للحالة المشتهاة، فالموت المجسد في اعتبار كل شاعر يثيرنا كثيراً، إلى درجة تجعل من البحث عنه مجازفة مؤلمة، لكن اختصار رودريغز المتواضع جعل موهبة الشيخوخة تواطؤا علنياً مع الموت والنهايات: “كل هذا المشهد له نهاية/ في الأمس اثناء حفل الانبعاث/ النمل دفن الكناري العجوز/ تغريده لازم ذاكرتي/ إلى جانب تلك الليلة من تموز/ حين تتكسر الشمس في صحنها النيلي/ يكون الأصفر الحزين لا يزال يؤلم في جناحه”.
موهبة القربان المقدس تحتفي بالجسد بلا أسباب سوى الحب! موهبة الشهوة والغرام الحميم، تفلت زمام التحمل وتطلق الجسدين إلى حمى الالتصاق، لتنتصب العاطفة وتزج بالجنون كمرض مؤبد لفوضى العالم. فقط مجرد عاشقين يتفاهمان بالتماهي المقدس: “لا أريد أن أكلمك عن فن العمارة/ لا عن الباروك ولا عن فن الزخرفة/ أحتفي، نعم، بفخذيكِ اللتين تباريان/ صروح الحداثة/ وتحت قوس الكاتدرال/ تجثو شفتاي أمام القربان المقدس”.
تجول القصائد في وحشة الأمكنة، في ضجر غربتها وفراغ شخوصها، تصرخ في كتمان حروفها المطبوعة كما لو أنها تريد الانطلاق إلى السماء لتتفجر كألعاب نارية، وتضيء عتمة البشر في موهبة الضوء: “العتمة ليست عمياء/ إذا سعى المرء إلى الحدقة/ سيجد نار النهار/ موهبة الخلود”.
نكتشف في نهاية المجموعة ذاك اللعب الأكروباتي الشيق وتصوير المشاهد الدرامية شعراً، والوقوف مطولاً على منحدرات المغامرة، في تأكيد اللهو والمرح بالحياة. سيقول الشاعر أنا مجرد ممثل هكذا: “لحمكِ الوفير يهتز/ ودون توسط الزمان والمكان/ يذيبه الضباب/ في الرائحة المتلاشية/ تنتهي القبلة المقتضبة/ لا أفعل شيئاً آخر سوى مهنتي، مهنة الممثل: أخيف الزبد في الموجة/ في هذا البحر الذي يعود/ ليتأمل الموهبة في مِهَني”.

أضف تعليق