
جريدة النهار اللبنانية
20/ تموز/2009
العدد23761
عمر الشيخ
الصحراء الناشفة من الصخب والمدن والأنهار، يمكنها أن تضع حملها في كل زاوية شعرية. فالأدوات اللازمة التي ستؤمّنها الطبيعة للولادة، قد سنّت شفراتها بالتهكم. المولود أصفر الوجه يشعر بعدميّة الحياة والأمل، وصراخه نزق معد. مثابرة على السخرية من الأقدار. مغامرة طويلة في رمال غدّارة. صوت قصائد يطير إلى المخيلة ويتفرقع كألعاب ناريّة.
بهذا التقديم يمكن نوعا ما الدخول إلى عوالم “سبابة تشير إلى العدم”، المجموعة الخامسة للشاعر السوري أديب حسن محمد، الذي يطمح الى إعطاء القصيدة الحديثة حيزا من حياته واشتغالاته النفسية، من طريق رصد ذكرياته ومواجهته اليومية مع الموت. على مقربة من حدود الاعتدال مع القوانين الطبيعية يرتب أديب حسن محمد قصائده في العزلة الذاتية عن كل شيء، وفي الوقت نفسه يستحضر إلى التقاطاته كل شيء ممكن، من بشر وذكريات وتفاصيل مغامرات، فتثيره النمنمات الغائبة ليقلب سبكها الاعتيادي إلى شعر تهكمي. يسقط في دوامة الأسئلة الصعبة، ويحلم بالمدن البعيدة وبالغرف الموحشة إلا من الشعر، ولا يشهر إجابته ببساطة. وحده التعب يشي عنه بأنه: “عشيق المدن/ منظّف مسرتها القليلة/ ثريها الذي يملك الليل وما أخفى:/ زجاجة خمر فارغة،/ بقية امرأة في ذاكرة الغرفة،/ وأوراق تبحث عن “زبّال”،/ ورائحة رغبة تسربت للتو من مسامات الأبد” (ص 18). يروي الشاعر قصصه بلا مسببات وعلى مسمع كل الأموات. قصص الشرف البالية، تسخر من الحياء، وتنظيف غبار التخلف عن مجتمع متناقض صحراوي يعاني البداوة والسواد: “ماتت ش بطعنات من خنجر خالها الصدئ/ ر اخترقت عينيها الزرقاوين رصاصات مسدس مرخّص له/ أما ف فقتلتها حجارة أشراف البلد” (ص21). قتل مرخص له في مجتمع مختل بطريقة تنفسه للحب، بادية نشأت على الخيبات والجهل، بادية لا تقدم الى الحياة سوى العدم.
في رسالة أديب حسن محمد الى الموت، يأتي الظرف مختوما بالحبر الشعري، لأن اللغم الموضوع في قاع الكلمات حساس وقابل للانفجار في كل لحظة. دنياميته التهكم، وفتيله القصيدة. شفرات نزقة تدور بقوة القلب وتنفر النحيب: “ها أنا/ أصفق السماء خلفي/ وأطفئ انتظار الجهات/ بكأس الوحدة/ فلا تأتي – كعادتك- حين أكون/ مفردا. أيها الموت!” (ص 24). لا يرضيه أن يشرف الموت على قلبه لأخذه بلحظة العطالة المؤبدة إلا في حضور أحد ما، ربّما الحزن. أو الوحدة. وربما الحبيبة.
تقدس هذه اليد الشعرية تلويحاتها للحياة، وتتبنى أشكال الرفض جملة وتفصيلا، لأن الشاعر يدير ظهره للهموم مصافحا إياها. يد خفية طالعة من الكلمات، يحدثها عن الحماقة ويقنعها بجعلها منهجا للحياة في البلاد الصفراء هناك في الشمال. في الحقيقة هو يخاطب وجهه الممثل بتلك اليد، معلنا شكله النهائي أمام العالم: (“كم أنت موحش/ وأنت تعد موتاك الفرحين/ بعدالة الألم،/ وتمنع الليل من السطو على شواهدهم/ المغروزة في خاصرة الهواء/ أنت حزن في زينة العيد/ يجتاز لهاث العشب/ ويثني الإصبع الوسطى في وجه العالم!)” (ص39).
يتخذ الشاعر الظلام رمزا لبورتريه السواد الوحدة والفراغ والحزن. يلجأ الى تفكيكه، وتحليل عناصر قلقه الدائمة. يفتح عريه على مصراعيه ويكشف دقات قلبه المرسومة على جهاز الخيال، عبر إشارات متوترة سالبة تحت خط الجحيم. الظلام كما تشاهده مرآة الشاعر قاتم بعدمه، لا يشاهد شيئا. وحده الشعر يسلخه عن مكانه: “الظلام/ غفلة الواثقين/ الظلام. الدليل التائه إلى بكارة الحواس” (ص43). لكن، على رغم تحقيق شرط العتمة، ثمّة تكوين ثلاثي مضيء داخل الشاعر في وصفة نادرة ومجازية لحبيبته، تجعلنا بعد مساحات العتمة نشاهد تزاحم الأضواء والسفر في الشكوك. يسمعنا الشاعر صورة امرأته هكذا: “أنت بائعة الشمس،/ مسوّقة الصحو/ آخر اعداء النوم” (ص45). وفي مكان آخر يشاهد الشاعر صورة حبيبته قادمة من وحي صدى صوت الشاعر الراحل رياض الصالح الحسن، لكنه لا يسيء الى القصيدة بل يرفعها إلى مرتبة الجمال المستمر: “أنت مؤامرة/ دبّرها الحب/ لقلب نظام دورتي الدموية” (ص46).
تتمركز درجة الطيبة في قصيدة “الطيبون” في مكانة تحليلية لواقع مشؤوم يعيشه الدراويش في المجتمع السوري. استفاد الشاعر من التقاطته تلك، بما يفسّر غموض المساكين وبعدهم عن باقي العالم، لكن الشاعر كان صوتهم ولم يكن مصوّرا لهم فقط: “الطيبون/ أغنية تبحث عن فم/ أرقام ممحوة من سجلات النفوس/ الطيبون/ الثياب الداخلية للصدفة،/ أعتاب أرواح مسحوقة، في منفضة الأيام” (ص49).
في “سبابة تشير إلى العدم”، الكثير من الارتكاز على المفارقات الاجتماعية واللحظات الحرجة التي يعيشها ابن الصحراء، فالمكان يلعب دورا رئيسيا في تثقيف المفردات واعطائها طابع الكآبة والتهكم، لأن معظم الصور الحاضرة تظهر بثياب متصعلكة تبشر بعالم يفتقر إلى التكافل الانساني وينحو إلى الأنانية.
اللعبة اللغوية للشاعر تتقوقع أكثر ما يمكن في صيغة المضاف إليه، لتكوين غالبية الصور الشعرية، من مثل: سرة الغياب، لغة الهبوب، حيلة الخشب، حلمة الجبل، قلم السراب… الخ. علما أنه استطاع في مناطق قليلة من المجموعة إثبات قدرته على التقاط الصورة الاعتيادية وجعلها شعرا بفضل تقنية قصيدة النثر وبعض المفارقات التي تعكس معناها بإدخال مفردة شعرية إليها تقلب مفهوم العبارة كاملا بأسلوب مغايير عن المعتاد.
القصائد الطويلة في هذه المجموعة لا تحقق خصوصيتها بقدر ما تحقق شعرية بعض أجزائها التي تعتبر كحالات شعرية متكاملة تصلح لأن تكون قصائد متفردة منفصلة وحدها. لكن الشتات هو في المرصاد، في كل لحظة قد يباغت، وهذا ما يجعل الشاعر يقلل قدر الامكان من قصائده الطويلة.
تمتلك المجموعة القدرة على التعريف بنفسها وبأهواء شاعرها على اعتبارها الخامسة في رصيد الشاعر، كما تعدّ تجربة مقنعة في خريطة الشعر العربي.
