قمة نيقوسيا: شرق المتوسط على جدول الأمن الأوروبي

استضافت قبرص يومي 23 و24 أبريل/نيسان 2026 قمة غير رسمية للمجلس الأوروبي تزامنت مع لقاءات موسعة مع قادة من الشرق الأوسط والخليج. جاءت القمة في وقت تتصاعد فيه المخاطر الإقليمية، من الحرب في الشرق الأوسط إلى اضطراب الممرات البحرية، ومن ارتفاع أسعار الطاقة إلى مخاوف الهجرة وتوسع نشاط الجماعات المسلحة. لذلك اتجه النقاش في نيقوسيا إلى ربط هذه الملفات بحسابات الأمن الأوروبي المباشر.

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس قدّم موقع بلاده من خلال فكرة واضحة: قبرص تريد أن تكون صلة عمل بين الاتحاد الأوروبي والمنطقة. قال إن الاتحاد حاضر في الشرق الأوسط، ويتضامن مع شركائه، ويدعم حواراً أكثر تحديداً بين أوروبا ودول الخليج. الرسالة القبرصية كانت أن موقع الجزيرة لم يعد شأناً جغرافياً محضاً، وإنما عنصر في إدارة العلاقة بين أوروبا وجوارها الجنوبي.

في الجانب الأمني، برزت المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، الخاصة بالمساعدة المتبادلة عند تعرض دولة عضو لهجوم. خريستودوليديس شدد على ضرورة أن تكون لدى الاتحاد آلية عملية لاستخدام هذه المادة، لا الاكتفاء بالنص القانوني. المطلوب، وفق الطرح القبرصي، معرفة شكل المساعدة، والقدرات المتاحة، وطريقة التنسيق بين الدول الأعضاء عند وقوع أزمة. أهمية هذا النقاش لقبرص واضحة، فهي عضو في الاتحاد الأوروبي وليست عضواً في الناتو، وتحتاج إلى ضمانات أوروبية قابلة للتنفيذ عند تعرضها لأي تهديد.

الموقف اليوناني دعم هذا الاتجاه. رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس تحدث عن ضرورة تعزيز المادة 42.7، واعتبر أن وقوف اليونان ودول أوروبية أخرى إلى جانب قبرص خلال التوترات الأخيرة أعطى مثالاً عملياً على إمكانية تحرك أوروبي جماعي. هذا الملف أظهر أن القمة لم تكتف بمناقشة التضامن السياسي، وإنما فتحت سؤالاً أكثر حساسية: كيف تستجيب أوروبا إذا تعرضت دولة عضو لضغط أمني مباشر؟

ملف البحر حضر من خلال مضيق هرمز. رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا دعا إلى إعادة فتح المضيق فوراً ومن دون قيود، فيما شددت أورسولا فون دير لاين على حرية الملاحة من دون رسوم أو شروط. أهمية هذا الملف أنه يربط الخليج بالسوق الأوروبية مباشرة. أي اضطراب في هرمز ينعكس على الطاقة، والتجارة، والأسعار، وسلاسل الإمداد. ومن موقع قبرص واليونان، يمتد النقاش إلى شرق المتوسط حيث تتقاطع الملاحة مع الغاز، والحدود البحرية، والمناطق الاقتصادية الخالصة، ومشاريع الربط الكهربائي.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قبرص قبل القمة أعطت هذا النقاش بعداً إضافياً. ماكرون تحدث عن وقوف فرنسا إلى جانب قبرص واليونان، وعن تعاون في الدفاع والطاقة والاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. كما قال إن أي تهديد لقبرص يمس الاتحاد الأوروبي. هذا التصريح انسجم مع الدفع القبرصي نحو تفعيل المادة 42.7، ومع الاهتمام الفرنسي المتزايد بترتيبات الأمن والطاقة في شرق المتوسط.

في ملف الطاقة، لم يطرح القادة المسألة من باب الأسعار فقط. خريستودوليديس ربط بين الضغط الحالي الناتج عن اضطراب المنطقة وبين حاجة الاتحاد إلى مسار أطول لتأمين الإمدادات وتقليل الاعتماد الخارجي. رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا تحدثت بدورها عن الحاجة إلى استثمارات في شبكات الطاقة والبنية التحتية، وربطت ذلك بالنقاش حول الميزانية الأوروبية الجديدة. لذلك ظهر ملف الطاقة كجزء من نقاش أوسع عن قدرة الاتحاد على تمويل دفاعه، وبنيته التحتية، واستجابته للأزمات.

الهجرة حضرت عبر اجتماع قبرص واليونان وإيطاليا ومالطا على هامش القمة. الدول الأربع اتفقت على تنسيق التحرك لمنع موجة هجرة غير منظمة قد تنتج عن الحرب في الشرق الأوسط. البيان المشترك شدد على دعم السكان المتضررين في المنطقة، وعلى حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عند الحاجة، مع احترام القانون الدولي. هذا المسار يعكس قلق دول المتوسط من تكرار ضغط شبيه بأزمة 2015، وحرصها على إشراك المؤسسات الأوروبية في التحرك قبل أن تتحول التدفقات المحتملة إلى أزمة مفتوحة.

في لبنان، استخدم كوستا لغة مباشرة تجاه حزب الله، واعتبره تهديداً وجودياً للدولة اللبنانية وعاملاً لزعزعة الاستقرار في المنطقة. كما رحب بقرار الرئيس جوزيف عون حظر الأنشطة العسكرية للحزب وببدء محادثات مع إسرائيل. هذا الموقف وضع الملف اللبناني ضمن إطار السيادة وحصرية السلاح، لا ضمن إطار المساعدات أو وقف النار وحدهما.

أما سوريا، فحضر ملفها من خلال مشاركة أحمد الشرع. قال الشرع إن أمن أوروبا والشرق الأوسط مترابطان، وإن أوروبا تحتاج إلى سوريا كما تحتاج سوريا إلى أوروبا. هذه العبارة عكست محاولة دمشق الجديدة تقديم نفسها كشريك محتمل في الاستقرار الإقليمي. في المقابل، بقي الخطاب الأوروبي حذراً، مع تأكيد دعم سوريا سلمية وشاملة. أي أن الانفتاح الأوروبي يظل مرتبطاً بقدرة السلطة الجديدة على تثبيت الاستقرار وضبط الحدود وإدارة المرحلة الداخلية.

القمة ناقشت أيضاً الإطار المالي متعدد السنوات 2028–2034، والموارد الذاتية الجديدة، والتنافسية والسوق الموحدة. حضور هذا الملف إلى جانب الدفاع والطاقة والهجرة يكشف أن الاتحاد الأوروبي يواجه سؤال التمويل بقدر ما يواجه سؤال السياسة. فكل مسار من مسارات القمة يحتاج إلى أدوات مالية: الدفاع، الطاقة، ضبط الحدود، دعم الشركاء الإقليميين، والاستجابة الإنسانية.

خلاصة القمة أن قبرص استطاعت وضع شرق المتوسط في قلب النقاش الأوروبي خلال لحظة إقليمية معقدة. النتائج الأبرز تمثلت في دفع آلية عملية للمادة 42.7، وتوسيع النقاش حول أمن البحر والطاقة، وتنسيق مبكر بين دول المتوسط في ملف الهجرة، ورسائل أكثر وضوحاً تجاه لبنان وسوريا وإيران. لم تحمل القمة حلولاً نهائية، لكنها حدّدت اتجاه العمل الأوروبي في ملفات ستبقى حاضرة خلال المرحلة المقبلة.

أضف تعليق