لساحة الشهيد يوسف العظمة ذكريات لا تنتهي في خاطري. منذ أن تغيّر تمثال الشهيد من وضعية رفع السيف إلى خفضه، كأنّه أريد له أن يبقى ذكرى دون حركة أو مجابهة. لكن التاريخ السوري لا يمكن محوه أو تزويره ما دام أبناء سوريا الحرّة يدافعون عنه، وطنيّين يتقبّلون بعضهم وتنوّعهم وخلافهم السياسي والفكري. كانت كلّ تلك التفاصيل تحضر في نظرة واحدة إلى وجه وزير الحربية البطل يوسف العظمة، وتحت وقار الذاكرة والتضحيات العظيمة التي قدّمها السوريون من أجل استقلال بلادهم وجلاء المستعمر، جاء أمس ثلّة من السوريين المتخاصمين حول مستقبل بلادهم، شهروا أسلحتهم وأصواتهم وإرثهم العنيف، وانقضّ بعضهم على بعض. مشهد مؤسف. لقد تحرّرنا يا رفاق. لم يعد ثمّة عسكر أو دولة تقيّد حريتنا، وإلا لما كنتم جميعاً تنعمون بهذه الحرية الفاحشة التي دفعت بعضكم إلى تخوين وضرب وترهيب وإهانة بعضكم الآخر. أن يرفعوا لافتة، مهما كان انتماؤهم، أفضل بمليون مرّة من أن يرفعوا سلاحاً حربياً للتعبير عن أفكارهم.
هذا محزن جداً، وأنا لن أقف إلى جانب طرف على حساب آخر في هذا الانقسام الحاد والدموي. الخلاف والاختلاف، وحتى الخصومة، لها آداب تحكمها سوريتكم قبل ذاكرتكم ونواياكم وتصنيفكم المبكّر. العبوا سياسة، لا قتال شوارع، ولا سوقيّة، ولا إجراماً، ولا ترهيباً.
إن الخلاف والاختلاف بعد التحرير حق مكفول للجميع، لكن ما سرّ الصمت على السلوكيّات الهمجيّة والعنف الذي جرى توثيقه، ثم جرى استثماره من قبل أشخاص كانوا يمجّدون الأسد أصلاً؟ لماذا تسمحون بأن يكون الوضع متاحاً لهؤلاء ليكونوا جزءاً من المشهد؟ من نعرف تاريخه التشبيحي في تأييد الأسد وصمته على المجازر سوف يتمادى حين يرى أن العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة في تراخٍ مستمر، وحين يرى أيضاً أن لغة الاختلاف مع من أيّدوا الثورة هي العنف، في وقت انتهت فيه حالات الهياج الثوري، كما أشار الرئيس السوري المؤقّت أحمد الشرع نفسه.
هل يكون بناء الدولة والصراع السياسي بالسحل في الطرقات، وتصدير هذه الصورة من الإهانات التي وُجّهت إلى نساء، مهما كانت مواقعهن ومواقفهن السياسيّة؟ هل هذه هي اللغة الوحيدة أمام أعين الإعلام والعالم؟ لماذا تقعون في هذا المطب اللعين، مطب التدوير الرهيب للأدوار؟ حسناً، الدولة حاضرة بعناصر الأمن العام، ولكن أيضاً ثمّة مدنيّون يحشدون أنفسهم ويهجمون بالأيدي، وآخرون يريدون تصفية خصومهم جسديّاً. مهما كانت مشكلتك مع من لا يشبهك، احتجّ في توقيت مختلف ومكان مختلف، لكن شارعاً في مواجهة شارع، فهذا هو التشبيح بعينه، وبذرة العنف الجديد الصاعدة، بدلاً من العمل السياسي.
السلام للسوريين جميعاً.

18 نيسان / أبريل 2026 | لارنكا
عمر الشيخ
