عمر الشيخ
حين أستعيد اللحظات الأولى للتفكير في الكتابة وإبداء الرأي، يلاحقني شريط طويل من الصور الذهنية القادمة من سوريا. صورٌ لسلوكيات “اتحاد شبيبة الثورة”، تلك المنظمة الرديفة لحزب “البعث”، بما تمثله من مناخ عام، تفاصيل اجتماعية، وهيمنة مطلقة على عالم الشباب.
كنت أبحث عن وسيلة للتعبير، تدفعها مشاهداتي وتراكم قراءاتي، لكني شعرت دائمًا أن شيئًا ما مُغيّب في وعيي. ورغم ذلك، دخلت أندية الشبيبة بحثًا عن متنفس للعقل والمخيلة. كان “النادي الإعلامي” الأقرب إلى اهتمامي، رغم أن انضمامي إليه لم يكن باختياري تمامًا، بل بفعل ضغط أخي الأكبر، الذي نسبني إلى “رابطة الشاغور” التابعة لفرع دمشق. لم يكن هناك فرق بين “شبيبة الأسد” و”شبيبة الثورة”، فـ”القائد” وحده كان يمثّل كل شيء: الثورة، والفكر، والإعلام، والإبداع… كأنه المخلّص والمعلّم، دون أن أعرف لماذا.
تشكّل وعيي الأول داخل هذه المنظومة، حيث كل شيء بعثي: الإعلامي، المخترع، الرياضي، السياسي… وكانت نشأة معظم المراهقين تحت قبضة الحزب الحديدية، عبر نقاباته واتحاداته ومنظماته، التي تهدف إلى السيطرة على الفكر والعقل تحت وصاية البعث.
في تلك المرحلة، كانت المدارس الثانوية تُعرف بـ”الوحدات الشبيبية”، وكأن الطلاب جزء من جيشٍ مستعدّ للتسليح متى قررت القيادة الأمنية. لكل وحدة هيكلٌ قياديّ مصغر يشبه بُنى التنظيم الأعلى: مسؤولون عن البيئة، الإعلام، الفن، الرياضة… وكلها ضمن شجرة تنظيمية واحدة ينقصها شيء جوهري: الحرية.
في وحدتي، كنت أُصدر مطوية إعلامية شهرية اسمها “الرسالة” بأربع صفحات. كانت تتضمن أخبارًا منتحلة من جريدة “المسيرة” الشبيبية، ومقتطفات من مجلات علمية، ومساهمات من “الرفاق”، بالإضافة إلى قطع ساخرة كنت أحرّرها، محاولًا التهكم من العجز التربويّ في فهم احتياجات الشباب. لكنها كانت تحت عين الرقيب، ذاك الرفيق الذي يتغاضى عن السخرية من الرفاق الآخرين، شرط ألا تمسّ القائد أو تتجاوز المحظورات.
فهمت مبكرًا حدود القول عندما جلست في مكتب المسؤول الإعلامي في الرابطة قرب الإطفائية بدمشق. في أحد الأيام أصرّ هذا “الرفيق” أن نضع صورة “الرئيس” مبتسمًا في ترويسة المطوية، بدل صورته بالبدلة العسكرية، مقابل شعار الاتحاد، لأن الشبيبة باتت – حسب قوله – “منظمة سياسية اجتماعية”، رغم امتلاكها فصائل عسكرية جاهزة!
كان ذلك عام 2003، حين رفعت الشبيبة شعار “مع البشار من النهار إلى النهار”، وكنّا نضعه في كل نشرة. بدا لي “نهجه” استنساخًا باهتًا لخطاب والده، حافظ، بنفس الشعارات واللغة الخاوية، تنتقل من قاعات مؤتمرات حزب البعث إلى منابر منظمة ابنته المراهقة: اتحاد شبيبة الثورة.
كنتُ أطمح لعمل إعلاميّ جاد، لكن ضغوط التنظيم ومراقبته للشباب، ومساعيه لتسطيح وعيهم بالأنشطة “الترفيهية” واللقاءات الاستعراضية، كانت تدفعني للانكفاء. حتى الصحف الرسمية كـ”تشرين” و”الثورة”، التي سمح لها النظام بهامش نقد خفيف، كانت تُعتبر “متجاوزة” في نظر الشبيبة، خصوصًا حين تتناول قضايا خدمية أو فسادًا ثقافيًا واقتصاديًا يعصف بالمجتمع.
كنت أكتب لأتواصل مع الآخر، لأفهم مجتمعي. وكان الشعر ملاذًا أبحث فيه عن متعة الوجود وجدواه، رغم تواضع تجربتي التنظيرية في هذا المجال. الشعر، بالنسبة لي، مساحة ذاتية تتحرر من كل شيء: الحواس، الذكريات، المرارات، الصرخات… أما الكتابة الصحفية، فكانت وسيلتي لفهم المشهد، لتحليله وتقويمه، من خلال قراءة الحالة الثقافية في دمشق، عبر الكتب والأنشطة والظواهر العامة.
حسمت أمري بالتمرد على تلك البنية: على الشبيبة، وعلى أخي الأكبر الذي كان يُخفي نفسه داخل المنظمة خوفًا من فحوصات الولاء البعثي. أما أنا، فتحررت من تلك التبعية، وعرفت كيف أُمرّر أفكاري النقدية من دون صدام مباشر قد يؤذيني أمنيًا. كنت أفهم اللعبة جيدًا.
منذ مطلع عام 2009، بدأت الكتابة في “النهار” اللبنانية، ولم يعد لتجربتي المبكرة في “صحافة الطغيان” أي سلطان عليّ، إلا بقدر ما ساهمت في طرح السؤال الكبير: ما جدوى الصحافة إذا كانت أداة لقتل الوعي، لا سلاحًا بيد الشعب، ولا مرآة لحريته وكرامته وصرخته؟
(كاتب صحفي سوري – قبرص)
بتصرف – نشرت في العربي القديم (يناير 2024)
