الكاتب : كفاح جهجاه /
رقم العدد : 751 – جريدة النهضة – سم بارد
يؤسس الشاعر عمر الشيخ في مجموعته “سم بارد” ، الصادرة عن دار التكوين في دمشق، ليوميات الواقع المعاش في جملة من النصوص التي تعكس حالة الاغتراب التي نعيشها وما يعتريها من تشابكات مع معطيات الخارج وتشظياته المختلفة.، وقد اعتمد الشيخ في بعض عناوين المجموعة على الإيحاء الدلالي ك” وداعا أيها الهواء” ، “سم بارد” ، ” جثة النسيم” “الإسراء إلى الجسد” على سبيل المثال وليس الحصر ، فيما ذهبت أغلب العناوين الأخرى إلى المنجز والنمطي من المكتسب الشعري ك “ليلة الدخلة ” ” لا أحبك ” “حبال غسيل كئيبة” وغيرها ، أما العنوان الرئيسي والذي تصدر غلاف المجموعة “سم بارد” فقد وظفه بأكثر من اتجاه ينحو الأول إلى نقد الوثوقي المستتب ، حيث تظهر الأيدي وهي ترفع ما قد سلمت به الأرواح حد القداسة تناقضا ايحائيا مقصودا مع عنوان المجموعة ويعمل الثاني من خلال نص يحمل عنوان المجموعة على الانفتاح الدلالي ومنح المتلقي فسحة أوسع في إعادة تأويل النص وتشكيله من جديد .
يرتكزالبناء الشعري في سم بارد عموما على اتقاد الحالة الداخلية، الأمر الذي حدد عمق الاحتواء الجمالي لمفردات موضوعاته المختلفة كالحزن، الشوق والحنين ، الحب ومحاولة البحث عن فرح مفتقد، وكذلك الألم ، الغضب والرفض، لكن القدرة على تشكيل النصوص تتباين في مستوياتها، تتصاعد حينا وتخفت حينا آخر ، ضمن مسارين متداخلين الأول يحتفي بالكشف والتجديد لغة والثاني يركن إلى المعطى والمحكي بصورة ساكنة بدون أن يمنحه بعدا جماليا مغايرا ً، وبدون محاولة استنطاق المضمر في تناولاته ، من نص ليلة الدخلة نقرأ .
دعنا نعش بفرح/ ولأن الفرح انتابني بلا شيء/ رحت أتمتم في السرفيس/ أتمتم على النافذه المتعرقة / ‘إنها تمطر!/ انظروا الفرح يقلع ثيابه/ ليغطي زمهرير العاشقين/…
هذا الركون الذي يخترق تدفق الحالة الشعرية ويبث فيها انقطاعا مؤقتاً يختفي بصورة تامة في نصوص أخرى يتألق فيها حضور الذات الكاشفة القادرة على الإمساك بخيوط اللغة وتحريك بناها هدما َ وانزياحا ً وتشكيلا ً، وفي هذا السياق يمكن أن نورد استحضار رمزية الشعر في قصيدة “سم بارد” بصورة مشعة وامضة تبث لغتها المتجددة على كامل النص:
نسف حواسي بديناميت لذته/ صمغ صراخي كما أفواه المعتقلين/ إنه يتمدد فوق صحائف البكاء/هيكلا ًعظميا ً من مدى الحبر/ يلتقط أشلائي الآتية غلى الفرح/ مشكلا ً أنا من جديد../ يكسوني بكسوة سوبر طفولية/ يمدد خطوط أعصابي من قرنفل أبيض/ ويلف عروقي بأجنحة غراب كي لا تتعب/ يرتق جلدي بغبار القمر لأبدو مضيئا بمسرتي..
تتخذ معظم نصوص المجموعة اتجاه مفارقة الواقع لحدود العدم والشعور بذلك الاحساس بالوحدة و اللاجدوى الذي يقف دائما في وجه الشاعر ويتربص به في كل ركن وفي كل تفصيل من تفاصيل علاقته مع محيطه، حيث تحول تجليات الإحساس برهبة العدم واتساعه المحسوس الخارجي في كل مرة إلى ما يشبه سلاحا معدا لموت بطئ تكابده الروح.
ففي نص جثة من نسيم نطالع:
ماذا سأفعل أيها الليل الآذري المتجمد؟/ هل أشتري لها وردة وأذهب خجولا من ذقني الطويلة/ ألا تستحق أن أتجمل لأجلها / منذ عامين كنت أهندس منظري للعابرات المضطرات إلى فاشل هوى مثلي/ يبحث عمن ينسيه حبه الأول/ لم أكن أنا الغبي إنما طريقة نسياني مغفلة تقليدية../وبرغم كل ذلك / سأجهز لجوهرتي غدا لقاء له طقس عيد الميلاد/ لن أشتري وردة/ لأن الوردة ستموت لو حضنتها يدي القبيحة…
تنتفي الرؤية العدمية التي ألقت بظلالها على معظم نصوص المجموعة في القصيدة الأخيرة وهي بعنوان ” ينهكني البقاء ساعة” التي تبدو كما لو أنها تمهيد لانبعاث هوية جديدة تنقذ الذات من براثن اللامعنى لتعيد إليها الرغبة في تأكيد حضورها وتوثبها في خضم قسوة الحزن وسطوة الغضب، وذلك في توجه للبحث عن ماهية ما جديدة يشكل رفض الاملاءات الفكرية وتأكيد الانتماء الإنساني العام السابق على الوثوقيات أساسا ً لها ، ويؤكد هذا الأمر الذهاب إلى البحث في الذات مستعينا ًبوجودية سارتر،” سأعري نفسي مما لوثني به زمن الأستذة/ لأقول أفكاري لذاتي وأقتنع وأنام مرتاحا ً/ سارتر يقول “الآخرون هم الجحيم”
ويمكن القول عموما أن “سم بارد” رغم بعض العثرات بدت لافتة في تمردها و استدراجنا لقراءات جديدة.
