قصائد سم بارد : بلاد تهزم الشعراء

%d8%b3%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af-2

 

فؤاد ديب*

دعنا نعش بفرح..

حينها بلا تأتاة تقول:

(إنه مسكين.. حول أصابعه إلى جوع وألوان, وكلما حاول ان يرسم للفرح والفكاهة, تبدو لوحته نقالة موتى تجريدية, فماذا يفعل أيها الرب)؟.

هكذا يعاتب الشاعر لحظة انتحاره ربه, حيث لا أقسى من هزيمة شاعر أمام وردة. لا يريد لها أن تذبل بين يديه القبيحتين شكلا. لكنه وبهذه اليدين يرفع اشارة استفهام وبنفس اليد التي فصدت شرايبن أختها عن سابق هزيمة وقصيدة, يمسك يد امرأة حيث تتهامس الكفان كي يسري الدفء في مساماتها:

“امرأة تلتحف يدي/

تعرف النطق بالأصابع”.

وحيثما عبثت هذه الأصابع الناعمة لها وقع السحر فهي تخرج الميت من أهوائه وتخرج الحي من موته في أقبية البرد ، يخرج وقد تصمغت حواسه ولم يعد يستطيع مباعدة شفتيه كي يصرخ:

“صمغ الحواس/

كما افواه المعتقلين”.

ومن شدة هول الشاعر تتناثر في قصيدته كلماته الناتئة المدببة التي يشعر القارئ أنها صادمة ولا شعرية في وقعها على الأذن, فيما إذا أخذها بفرديتها وكل واحدة على حدة ، لكنها في سياق المجموعة نجد أننا نستطيع أن ندورها ونصقل زواياها كي تتناغم مع وقع بقية المفردات حين تقع على السمع:

 (مفارز ، تجاويف ، )

كما أن هناك جمل باردة تشعرك ببرد المكان وبالقشعريرة تسري في بدنك

(تمونه في ثلاجة مختبراتك ) ويتصاعد دخان احتراقها في أماكن أخرى لتشعرك بحريق الشعر حين تعبق الكلمات بشذاها كي تصور عمرا غضا حرقته السنون:

(منذ عشرين غصنا محترقا).

 هذه العشرين تعبر السنين سنة إثر اخرى, بمخيلة شاعر شاب يمر بالسنة كأنها امراة من لحم وقصيدة, فيجسدها رأسا وخدا وشفتين. فرأس السنة يفكر وينطح كوعل. ولها فم يبتلع ريقه وخد بإمكانك أن تنثر فوقه القبل.

نعم هي مخيلة الشاعر التي تأبى إلا أن تحضر في أول نصوص مجموعة (سم بارد) ولكل بيت عتبة ترحب بنا كي ندخلها قارئين, هكذا هي قصيدة رأس السنة ترحب بنا كي نقرأ المجموعة بكل حواسنا، لكن هذه السنة هي الزمن العاهر الذي يجرح عاشقا و يقسو عليه فيرتد خطوتين إلى نفسه ويحاول نسيانه (إذا سأفرك جرحي بالنسيان مرحى لعهرك فهو مشيمة الهزيمة) هذه هي البلاد التي تهزم الشعراء ، عهرها هو سبب هزيمتهم هزيمتنا فهل من منصف لشاعر قبل ان يغلق بوابة شعره بفصد القصيدة.

* شاعر وكاتب فلسطيني

 المقال نقلاً عن مجلة السفير باريس

أضف تعليق