«بلوزة» ملونة..!

IMG_0076
عمر الشيخ في صالة تجليات الدمشقية – المزة 10-10-2010 – 

يوميات 26 آب 2010 دمشق

لم يستطع الطريق الممتد من دوار المزرعة إلى فندق الفردوس بدمشق تحمل ذاك المشهد.. الشمس قالت للشرفات المقفرة: ترى ما كل هذه النظرات، لقد مر على ولادته سنوات قليلة ولم تكن أنفاسه تلامس ضوئي بهذا العنف؟ لاهثاً كان يحاكي نفسه عبر زجاج السيارة المتراكمة على جنبي مفارز الحرس قرب مصرف سورية المركزي وينظر عالياً إلى طبعات الأوراق المالية الجديدة المعلقة كأيقونات كبيرة وغريبة، وصل إلى زاوية بنك بيمو السعودي الفرنسي وراح يطلق عينيه على التليسكوبات وشاشات البلازما هناك، ويتنقل بعينيه بين واجهة متجر الأدوات الالكترونية وبلوزته الملونة الجديدة، ألوان فاقعة وحذاء أصفر وبنطال جينز بدي وتسريحة شعر هرمية عشوائية عجيبة، التوقيع: صحفي شاب!

لماذا علينا تصور مظاهر الناس بموضة متشابهة وموحدة وهادئة وبنت عالم وناس ولها أساس مرجعي وموقف من قضايا الحياة وتعبر عن ثقافة المجتمع؟ هكذا ببساطة أطلق السؤال على نفسه ثم ابتسم وعلق: ما علاقة «الجل» الذي أستخدمه بالحداثة الشعرية التي ينصّب جنرالات المنابر الثقافية أنفسهم حماة لها من نماذجي أنا ابن هذا الزمن.. وهل علي حقاً أن ألبس بلوزات وقمصان مهذبة وملتزمة وأجلس في نادي الصحفيين وأخذ البركات من أعضاء إتحاد الكتاب العرب، وأحافظ قدر الإمكان على بيكسل عالي لصورتي أمام الناس حتى أظل جيداً ومختلفاً عن الآخرين فقط لأني كاتب.. صحفي!

مؤخراً قامت مجموعة من الشعراء والكُتّاب المحليين بإطلاق معايير جديدة ومعاصرة لستايل المثقفين مرفقاً ببروتوكولات توضح كيفية التنقل من ستايل لآخر حسب المكان والزمان، عدا عن مميزات الروائي التي تختلف جذرياً عن مميزات الشاعر أو مميزات القاص.. ولكن ماذا لو كان المثقف (زبدية صيني) روائي وشاعر وقاص وناثر وكذا (شغلة) ثقافية فنية اجتماعية؟ سوف يتكلف حمل حقيبة ثياب وإكسسوارات من أجل التبديل بين الأدوار، فحين يتحدث عن الهوية في الرواية السورية عليه أن يكون رافعاً كمي قميصه ذي اللون الفاتح والسادة وجالساً على (اليمين) وقد سرّح شعره القصير جداً بقليل من الماء و«السيبريه» أو ببعض زيت الزيتون جاعلاً من هدوء منظره منفذاً للوقار والاحترام حتى يطرش آراءه العميقة والنوعية في الرواية النسائية السورية خصوصاً والرجالية عموماً والمحيّر أحياناً…!

أمّا إذا كان شاعراً فعليه أولاً إطلاق شعره وذقنه من باب التشعير وعلاقة المصطلح بالمفهوم الأدبي لمعنى شِعر وبشكل فوضوي حتى يسمّى (صعلوكاً) ثم يربط وشاحاً من الباله على عنقه سواء أكان الفصل شتاءً أو صيفاً المهم هو الموقف المستمر على طبعة الستايل الموحد، بعد ذلك يجلس في البارات فقط لا يزور المقاهي، متكئاً على (اليسار) يقوم بشتم الجميع ومدح من حوله من أفراخ الشعراء ورواد كتابة المراجعات الصحفية للكتب الشعرية وخصوصاً أولئك الذين يرفعون الكأس بصحة شباب وصبايا (قصيدة النثر) التي صارت جمهورية يكتب تحت جنسيتها من هب ودب من المتطفلين..! والأنكى من ذلك أن يكون شاعرنا هذا وضع نصب عينيه الدفاع عن تفعيلة محمود درويش المبتكرة ومعاتبة أدونيس على نقده القاسي لانهيار الثقافة العربية وحشر نزار قباني بين شعراء قصيدة الوزن والقافية والنص الهجائي وحسب..

الأوراق المالية الجديدة التي أطلقت منذ أيام أخذت ستايل مختلف ولكن مضمونها بقي كما هو، كذلك المثقف ستبقى قيمته الاجتماعية كما هي سواء أكانت بلوزته أو قميصه فوسفوري أو كيوي أو أحمر أو كارو أو ولادي.. والمبدع لن يلتزم نمط حياة واحد وأسلوب كتابة واحد وثياب و«لوك» واحد.. ولن يكون صاحب رسالة.. الاختلاف الظاهر يمتد إلى الباطن والعكس صحيح، لماذا يصر البواقون على تصدير ألقاب لا تليق بمكانتهم الثقافية، كأن يصف أحد الشعراء الذين تورطوا بكتابة زاوية بإحدى المجلات المحلية عن شباب الجامعات والستايلات الجديدة فيقول عن موديلات شعرهم أنها منتصبة كأشواك القنفذ أو لولبية مكزبرة كالحلزون المائع… هل يطلق هذا الشاعر تلك التسميات على جيل لاءمت ظروفه أن يحتك بالعالم بشكل حقيقي ويختلف عما عاشه أسلافه من المثقفين وغيرهم، ويفكر بشكل مختلف، ألم يصنع هذا الشاعر موديل الخنافس بشعره وشِعره.. ألم يلبس بنطلون الشولوستون وقمصان البدي الفاقعة أيام الستينات، لم يحاسبه أحد، لماذا يهين نفسه ويقارن ما بينه وبين الآخرين..؟

ثم ما دخل الشمس والفندق وشوارع المدينة بما نحكي عنه الآن..؟ هل نكمل القصة أم نصمت احتراماً للقارئ الذي قد لا تعنيه هذه المسألة وربما لن يقرأها لأنه يستعد لرمضان و(خلافو)..

في الحقيقة كان يفكر كاتب هذه السطور أن يكتب زاوية عن صحفي شاب يلبس ما يريد ويكتب ما يريد ويسير كما يهوى ويصادق من يشاء.. ويود أن يقول: أن الحياة حرية.. فهل تكفّ العجائز عن إسداء نصائحهم ونظرياتهم البائدة..؟

أضف تعليق