بديع منير صنيج – جريدة تشرين السورية – الأحد 21 أيلول 2014

«قصائد 2009 تكنولوجية.. حتى صوتها ديجيتال» هذا مثال عما يحاول «عمر الشيخ» قوله في مجموعته الثالثة «مباشر من جزيرة المونتاج» (عن دار تكوين للدراسات والنشر) ومنه نستطيع الانطلاق نحو التوليفة التي أرادها لنكهة ما يكتب، ويبرز فيها إغراق لغته بمفردات الشارع الفجة، فهو كما يقول في قصيدة «ما شئت من الشهوات»: «لا يمكن أن أنظف روحي بالمكنسة والماء. لا يمكن أن أشطفها بالليفة والصابون المعطر، حتى إذا اسودّت حوافها، لا أستطيع دعكها بفرشاة السجاد والكلور، لأنها.. لا تُداس»، هذه النكهة توازي ما يقول عنه الشاعر «سعدي يوسف» إنها قصائد الذات، فقصائد «الشيخ» توغل في التفاصيل لدرجة نفقد معها لذة القراءة، وتجعلنا أكثر ما نكون بعداً عن روحية الشعر وجمالياته، فرغم أن الإغراق في اليومي ليس تهمة، واستخدام ألفاظه ليس سمةً يمكن أن تضاف إلى القصيدة، لكن عدم الالتزام بموسيقا الألفاظ وتقصّد المباشرة لا يعطي ميزة إضافية، بل على العكس يكسر التواصل الأثير بين الشعر ومتلقيه، ويحيله إلى قراءة ما يشبه الحديث اليومي متخلصاً من حيويته.
يقول «الشيخ»: «أبحث عن النص في كل التفاصيل، ربما تبدو هذه الجملة الأقرب لقراءة ما قدمته في قصائد (مباشر من جزيرة المونتاج)، التفاصيل هي مشاغلنا، هي محرّك اللحظة وشهوة الاكتشاف.. لا أجد مانعاً من التقاط اللحظة وتدوينها؛ واليومي، اللحظي، الصدامي… لا يتعلق بزمنية ما، هي تسميات تحليلية أوجدتها قراءة الشعر الجديد.
إن نمطية الكتابة الشعرية هي التي قتلت القراءة، هكذا يبتعد الناس عن النص حين يشعرون أنه لا يشبههم، للحظة يبحث الشاعر عن روحه في عيون الناس، في نص يتقاطع مع الآخر، أنا أبحث عن تكوين إنساني أكثر قرباً من الحياة، لو كانت تلك المشاغل هي «اليومي» لأننا نعيش اللحظة بكامل صخبها، حين يتحول نص الشاعر إلى رؤيا، يفقد من حرارته ويغرق في الفلسفة والحكمة التي لا أجد لها أي مسوغ لتلصق بتجربتي. أكتب ما أشعر.. على نحو يومي أو شهري أو سنوي.. الحالة تحتاج وقتاً لتنضج، ثم لتصبح شعراً».
نحن هنا إذاً أمام تأمل لليوميات وسردها على أنها قصائد، بمعنى أن التركيبة التي أرادها صاحب «سم بارد» تعتمد على تحويل مشاهداته اليومية إلى ما يشبه القصة الشعرية إن صحّت التسمية، فها هو يقول في «يقذف جراثيم ذكرياتها»: «سأطرد كل فريق حروفي خارج قانون التفعيلات» لكنه بذلك لا يعلن تمرده على الشعر العمودي، بل يتعدى ذلك إلى محاولة مَنْتَجَتِهِ لأحداث الحياة وصبِّها ضمن قالب خاص يمزج فيه الشعر بتقريرية الصحافة كما في «خمس ساعات من العطر» «ساحة الأمويين.. زاوية مبنى التلفزيون تماماً.. عندما كنت أمر هناك.. وأعيد جُمَلَكِ.. يا لها من ألغام..» الإخبار بما حدث، وتوثيق الزمن بصيغة مخالفة، هي ما سعى إليه صاحب «متى أصبح خبراً عاجلاً؟» محاولاً التخفف من وطأة الصحافة عبر ومضة شعرية خفيفة، أو صور يستلهمها من حياته العملية كمعد برامج تلفزيونية ومن ذلك قصيدته «جزيرة المونتاج 13» التي يقول فيها: «هيا غادر جزر المونتاج.. لا يمكن إرسال تعبك إلى أبراج قاسيون.. فالقناة الرسمية لا تعنيها وحدتك.. وحطامك سيعطل آلات المونتاج».
ويوضح «الشيخ» ذلك: «مهنتي الشعرية هي الصحافة، لذلك قد تشعر -وأنت صحفي يا صديقي- بتلك المحاولة، لكني لا أجدها تقريرية بحتاً، أي قاتلة، هي نوع من التطعيم البسيط الذاتي، كما في شعرية القصص أو شعرية الرواية، دعني أسميها «شعرية الصحافة» لو أعجبك المصطلح! هي في المحصلة أجناس أدبية، تتقارب في مكان وتبتعد بشكل أكبر، في مكان آخر، وهنا يؤثر عملي في الحالة الإنسانية، هي طريقة ما في نصوص كتبت منذ أربع سنوات تماماً (2009-2010)، لا أدري ما أصابني في حينها لكنني لا أتبرأ منها».
ويضيف: «حيوية الشعر تخف حين يكذب الشاعر! ولا يكون نصّه من صلب تجربته الجديّة في الحياة، فكل ما هو استثنائي في الإمساك باللحظة وخلقها من جديد بألوان مختلفة وأكثر قرباً للمبدع، هو شعر، لا تنسَ أن شعراء الألفية الجديدة من عام 2000 حتى 2010 هذا العقد من الشعر السوري، هم شعراء سبقوا من قبلهم في تحديث النص الشعري والبحث عن فضاءات جديدة له، شكلاً ومضموناً. وتجربة شعراء الثمانينيات والسبعينيات تكفي لتفسر ذلك، فالأغلبية لا تزال حتى اليوم مستقرة عند نص شعري انقرض في أوروبا منذ منتصف القرن التاسع عشر. يعني، نحن نقلد الشعر المترجم الذي هضمته اللغات الأخرى ونقدمه للقارئ على أنه اكتشاف عربي، وهذا لم يحدث في تجارب الألفية الثالثة على ما أعتقد».
الشاعر «الشيخ» في قصائد أخرى يعزز لغته الشعرية، ولاسيما عندما تتضمن شيئاً عن الموت، إذ يتحرر صاحب «متى أصبح خبراً عاجلاً» من فبركاته الكلامية بعض الشيء، مستخدماً لغة شفيفة فيها روح مختلفة، وتتعدد فيها الأصوات ومستويات الحوار، بمعنى أن زاوية النظر إلى المشهد الشعري اختلفت، كما في قصيدة «ماء الآخرة مرعب» يقول فيها: «قبل باب المقبرة.. حنفيتان.. واحدة لسقاية القبور، والثانية للزوار، شرب من الاثنتين وقال: ماء الآخرة مرعب! حين وصل إلى حبيبته.. شمَّت رائحة عينيه.. ثم همست: ما كلُّ هذا الموت؟ جاء ليتكلم.. ابتلع ريقه.. فأزبدت على أطراف فمه.. أصوات الأرواح: – ماء المقابر وحيدٌ -ماء الآخرة مرعب!..».
الأمر ذاته يتكرر عندما يتعلق الأمر بأنثى أو حبيبة إذ تتنامى الحالة الشعرية وتشفّ بدرجة كبيرة وتتخلص من كل زوائدها وفذلكاتها، وهذا ما يمكن تلمسه في بعض القصائد التي حملت عنوان «ستاتوس»، ومنها: «حبيبتي.. تعد ورود الحديقة هذا الصباح، قالت لدمشق: سأخطف عينيكِ وأجرف قلبك بشفاه حبيبي.. وسأكون مدينته أكثر منك.. وهو سيصبح نافورة شعر على جسدي».
