على أثير الليمون

جريدة النهضة
العدد 547

عمر الشيخ

1
قبل أن ألمس وجهي في المرآة كانت رائحة الأرض تنشب جوعها في شهوة عيني، كان المطر قد توقف للتو في دمشق، وأصبح حديثنا الأجمل عبر نوافذ الماسنجر عن الوطن وحدائق الحب التي ستتكاثر عندما يقلع العصفور عن جناحيه غبار الذكريات الحزينة، أخذت سماء الساحل شكل جسمك في أهدابي واختلط الوطن بعبير وجهك.. لم أعد أراني، ها أشاهد البحر في العاصمة! وأتلمس غمازتك
الفستقية الخجولة.. جزر في قلبي وعينيك تقرصنان على عمري..
ربما كنت أبحث عن حياة وجهي وملامحي في رائحة تراب الوطن وأنت تتنهدين لشموس زقاقه العتيقة، أتلفت إلى الوراء وقوس باب توما ينتظر ضفائرك
لتحملني بعيداً قبل أن يصل باص مدرستي، ترفض كل المقاهي استقبالي لأني تلميذ مشاكس، أعتاد على نصائح شفتيك وكلمات أصابعك الحارة.. لم يعد هنالك الكثير، ستوبخني أمي في السماء لأن جلائي المدرسي كله ضعيف، لماذا لا تعودين لتعليمي فنون المرح والحب.. فقد مسحت العاصمة ذاكرتي العشوائية
وتركتني ألمّع مبردات الألم بملح عيني..
تتسلل صورك رغم فروق الوقت بين مدننا البعيدة وتتخذ من أحلامي ويقظتي
ووحدتي شاشة لتعرض عليها أشكال ابتساماتك، يشمّك قلبي ويلفظ أنفاس فراغه متوعكاً في بعدك، لا يطلق للربيع صرخة رغم اكتناز المدينة بأحزان
العابرين من أولادها، شعرت أنني لن أبقى هنا، وأن شمس آذار ستلعب لعبتها الخبيثة وتشعرني بالدفء.. أضعت كل شيء كتبي وحقيبتي ومريولي الأزرق حتى أدوات تنظيف الألم انتهت صلاحيتها، صرت أستعين الأمل المكبوت بأكف
الأطفال الذين يمسحون زجاج السيارات على الإشارات الضوئية، لكنني أخسر دائماً لأني دونكِ..

2
متعب مثل حكاية قديمة لا يرويني أحد… متعب ولا شيء يعجبني في هذه
المدينة الحزينة… مثلك، مثل عينيك، مثل غربتك وفراغ أصابعك القلقة، لا
أغفو فوق دفاتري لأني أنشف طوال الليالي أحزاني بأوراق الليمون التي
تنتمي لك..
لا أكتب عن جراح سورية حتى لا أصدق أن قلبي ينفطر على صباها، ولا أحلم بسور الصين العظيم لأن جذوري لا تتنفس سوى تراب شامي، غربة في غرفتي وألم عند صور المدن الموحشة حولي، أشكال ملونة لرخام السماء نعمّر فيها حدائق للحرية والعصافير، وقضبان قاسية للصبر تُغرس في قلقنا ولا أصلك سوى في
الصباحات.. في الصباحات دائماً أكشف عن دمي لظلكِ وأهندس بين رائحة فراشك
وتوقي لضمك في أي وقت أين ما كنا، أزهر في جدول يديك وأتكاسل على ذراعيك ممرغاً بحشائش أصابعك، أقلع عني عقلي ولون بشرتي متوحداً في مخيلتك نيزكاً شهوانياً لا يتوقف، أتفرقع في ضحكاتي وأقشر بساتينك بشفتي لأقطف
محصول حبي من حزّ ليمونتك السرية، لن أتظاهر أمام أحد أني أعرفك
لأن رائحتي أصبحت فواحاً لزهورك الشبقة، أندس في صوتي حتى تعانق شفتاي كل أزهار ليمونك الدمشقي..
3
هل تقودنا الكلمات من أيادينا كالأطفال إلى الطرق الحقيقية للحياة؟ هل
سنجمع أفراحنا في كتاب ونطبعه بماء البلاد الغالية؟ لمن سنكتب؟ ولأي
أزمنة سنقول؟
نفرغ رويداً رويداً من طاقتنا، ونتمسك بمنفذ للهواء لا يرى، يختفي حيناً
خلف السراب، ونشعره حيناً في منفردة الانتظار، نحلق في الصور التي
نلتقطها على أثير الليمون، ونخاف على حموضته المثيرة أن تسخن بسرعة وتحرق كل شعيرات آمالنا الصغيرة..
في بلاد الشمس المشرق، حيث غلب تجمع الإسمنت على ذرات الهواء، وصار قلبك الصغير يمد دمه إلى حديقة مكتبي، شرعت شجرة الليمون بأخذ شكل يديك، تزهر فرحتي لأتلمس ما ينتمي لغرامك وأبلل به شعري، حتى استغنيت عن الماء
والدم، ليأخذ دمك طريقه في جسدي وتغدق أظافرك شلالاً من الرغبات والرقص..

أضف تعليق