نصوح زغلولة في غاليري “أيام” : أنثى الشلاّل في شرفة دمشقية

هالة بياض في عتمة الخوف، تعبر الضوء ووجهة الروح والفكرة. نوافذ تجعل للأسود حدوداً تعانق فيها التفاصيلُ عمق العين. ثمة مشهدية تركيبية في معرض “نشوة”، للرسام التشكيلي نصوح زغلولة في غاليري “أيام” بدمشق، توحي بحالة الغياب وهي تنمو على مراحل، وتدفع بالجسد والعقل إلى حدودهما القصوى فيولّد الاستسلام النهائي حالة بديلة، مع تعاقب الصورة واحدة إثر أخرى، ويصبح الجسد مختزلاً في شفافيته، حتى يمكن بالكاد تمييزه، إذ يبدو كخطّ ظلّي رهيف تحيط به العتمة.
في أولى لوحات المعرض مباشرة نشاهد اثنتين وعشرين وردة جورية تمثل سنوات الغربة، مصفوفة على قاعدة خشب، وقد حجز لمذبح تلك الورود ظلالاً منقطة بالأحمر، وثمة في بعدها الثالث خمس نوافذ، كلٌّ منها تمثل عشر سنين من الحب على أرصفة المدينة العتيقة. الورد الجوري يعبر صورة المدينة ويفتح شرفة الذاكرة على عتبات الأسود، تاركاً للمتلقي حرية التوقف خلف مسرح يتصارع في صمته الأسود والأبيض أو الحياة والموت.
أسوار من الورد الجوري، أراد بها زغلولة التوجع على أسوار دمشق القديمة، ليقدم الحكاية بكامل أنوثتها، برمزية الورود، بنحوله العنيف، يجوع المكان للحضارة التي ابتلعتها أصابع الإسمنت وأغرقتها هوية العاصمة الضاجة بالسيارات ومشاريع التنظيم وشق الأنفاق. لعله حزن من شرفة دمشقية يطل على صور، نام الأبيض فيها على مخدر الشمس الباهت وزجاج الماضي الخائف.
في جانب آخر من المعرض، تطالعنا لوحات اعتمدت إيقاع أنثى الضوء العارية، التي نجدها تتفرد بخفة على طول اللوحة، مبرزةً تقاطيع جزئية من مفاتنها، على عكس ما نراه في لوحات أخرى، إذ تتحول شلالاً من الإثارة الخافتة. ثلم متطاول ينطلق من العتمة وينوص فيها، يشتد تارةً كظل حلم، وطوراً يتحول فانوساً مشتعلاً ينسكب كقطرات الندى ناصعاً حتى تتحول هذه المسرحة البصرية فسحة واسعة لجسد الأنثى ترصد دورانه في أقل لحظة ضوئية ممكنة.
لا تقف الأنثى في أعمال نصوح زغلولة عند منطق المباشرة المعنوية ككتلة إغواء، إنما كفكرة أو حالة أفقية، كمعنى مادي عمودي أو عمق معنوي للشكل، حاملةً محتواه الفلسفي على المحتوى المادي في الجسد. قد يطالعنا خطف إغواء خطي طفيف كشهاب يعبر سماء اللوحة مخلّفاً وراءه أسئلة روحية عن صراع الأبيض والأسود في حضرة الأنثى.
نيازك على هيئة جسد أنثى مجهولة الوجه. تتكاثر النساء من لوحة الى أخرى، في فيض من العتمة تحاول إحدى اللوحات خطف شبق البياض فتختار من تدرجات الأحمر القاني صوراً معكوسة من جسد أنثى تلاشى ظلّه في التفافة ضوئية أخذت إشارتها تتكهن بالحرارة المنبعثة من الشرفة الأولى. كأنما المشهد يصير تراكمية بصرية تفضح أسرار الأسود في عنصرين تشكيليين واضحين. وإذا كانت المدينة أكثر أنثوية بالمعنى التحليلي للمرأة، فإن المفارقة لدى الرسّام تبقى قراءة المدينة الأم والأنثى الحب في لقاء مسرحي مصوّر يختزل فيه قول الحنين والشهوة في آن واحد.
تتركز رؤية نصوح زغلولة في هذه التجربة على قراءة جسد الأنثى في الومضة الضوئية بأقل مكاشفة ممكنة. فهو على مقربة من العري لكنه لا يلتقط شغفه في الأماكن الحساسة بين النظرة والدلالة، إذ نجده يخفي رمزية الولادة المؤلمة عبر تكنيك حاسوبي معقول يساهم في فنية خاصة تكمل محيط المعرض بمزيد من شهوات المكان وشهوات التخييل في أجساد المدينة الشبقة.

النهار الاثنين 13-6-2011
24417عدد
عمر الشيخ

أضف تعليق