مشروع ثقافي.. ينتظر!

النهضة 543
عمر الشيخ

انسجاماً مع حالة التفرد والتنوع التي تحكم ذهنية ورؤى المثقف السوري، لم تتفق حتى الآن النخب الثقافية على ملامح مشروع ثقافي جاد وفعلي، وكأن الحديث عن وجود مثل هكذا مشروع في الحالة الراهنة يعتبر خارج خريطة التقدم والتغيير! على حين تقدم حلول تنظيرية عن آلية المناخ التكتيكي للعمل الثقافي دون التمخض في متطلبات هذا العمل، فكل يحدو نحو رغبات الشارع بالتغيير الكلي، علماً أن نسبة قليلة جداً هي التي تهتم بمنحى الوعي الفكري الذي تتلاشى بوادره عن متطلبات الناس تدريجياً، والمصيبة الأكبر هي عن كيفية تحديد هوية هذا المشروع الثقافي الواسع، طالما خضعت المؤسسات الثقافية الرسمية إلى العمل تحت قوانين وأحكام وظيفية لا تتقبل المشاريع الثقافية المتطورة سوى ممن تكلفهم بذلك، وعلى ذلك تعيد تجارب انقرضت ولم تعد تنفع حتى لصف الكتب أو لجلسات الذكريات في المقاهي، فالعقول التي تطالعنا على شاشات التلفزة والصحف سلّمت أوراق اعتمادها للماضي وباتت تكرر ما تقول كآلة تسجيل بالية..
هنالك صفة سورية تلتصق بأهمية هوية تلك المشاريع ولكن ذلك لا يكفي، لأن اختلاف الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحاضر يتطلب استمرارية في النقاش والحوار مع الجميع، حتى ممّن يمتلكون شكلاً لا استطاعة على المؤسسة الرسمية تكوينه، حتى ندرك أهمية شراكة المؤسسات الأهلية وكل السوريين في أي مكان على تقديم تحرك حقيقي لمجموعة آراء ومقترحات ولو عبر موقع إلكتروني تقدمه الحكومة لجهة ما تتبع لهيئة مشاريع التطوير في الدولة، ملزمة بإحصائيات يومية لم يقدم، أفضل من النوم بعسل التنبؤ والأمل الذي لا يقدم ولا شيء في اختلاف أجواء التثقيف في المجتمع بل ويزيدها ضحالة وركود ومحسوبيات بائدة..!
هوية المشروع الوطنية والقومية، تحسم علاقتها بالدين والطائفة والتشريع المدني لصالح أفرد المجتمع مهما اختلفت علاقتهم بالسماء.. تلك الهوية التي تتجاوز -بلا شك- الحارات والمدن والأعراق إلى رؤى أشمل، ستضمن بالتالي ضم الفصام الجانبي بين كل الأطراف، وستقترب من تفكير سريع استفادت منه أجيال سابقة وقدمت خلاصته للجيل الجديد الذي قدم بدوره وجهة نظره من منطلق مشاركة ومباشرة في التنفيذ، هنا من يدعم ويرعى وينظم؟ بالتأكيد سيساهم الشباب بتحرك ثقافي معرفي ووطني، ومن الجهة الأخرى يجب أن تقف إلى جانبهم بوصلة الحرية التي تجاوزت استهداف الأشخاص وأصبح مطلبها يتلخص في فتح المشروع الفكري أمام الجميع للنقاش والبناء الجديد أمام العالم بأسره وبعيداً عن مهارات التشويش التي احترفها الغرب لتضليل الرأي العام تجاه رؤية السوريين في أولويات مصلحتهم التي يعرفونها دون أن يشير أي كان إلى موضعها وأهميتها.
ليس حلماً، ونرجو جميعاً ألا يكون مجرد حلم! المشروع الثقافي غاية قريبة جداً، وجسر جديد يمكن أن تقوم الحكومة بتعزيزه إلى جانب الكثير من التغييرات التي تسعى لها، لتفعل وسائل الإعلام الخاصة والعامة والمواقع الإلكترونية ورسائل الموبايل، تفعيلاً شاملاً، لكل الناس حتى ممن لم يقرؤوا بحياتهم أكثر من لائحة الأسعار في مخزن الخضار!
أجل أيها السادة، لن يتقدم شيء من تلقاء نفسه، الهوية الوطنية لمشروعنا الثقافي الفكري، وها نحن نطالب بإيجاد صيغة لجمع كل النخب الثقافية وغير النخب إلى تقديم رؤيا واقعية لمجتمع غابت عنه الثقافة وحضرت هموم المعيشة ولوازم السكن وتوابعها..
لن يؤخر زواج أحد ممن يحب، إذا ما قام بتقديم رأيه حول هوية المشاريع الثقافية، حول بنية التثقيف الذاتي، هنالك من تعلم ثقافة السلاح على حدود الوطن، ونحن في الداخل في قلب المدن الكبيرة والصغيرة وكل المناطق ندعو لبناء مشروع ثقافي حقيقي يمتلك هوية واضحة كعين الشمس تدعم سلاح حماة الديار وتجعل سوريتنا أكثر فخراً بأبنائها.
إذاً سورية بحاجة إلى مشروع ثقافي شامل لا يقتصر على حراك مؤسسات وزارة الثقافة وكوادرها، بل يحتاج إلى كل أشكال التعاون الفعلي من شباب الوطن وطاقاتهم الفكرية المبشرة.. هل نرفع أصواتنا أكثر ونرسم الخطوط الجديدة لمشاريعنا الفكرية والثقافية التي ستأخذها الحكومة بعين التنفيذ لا المماطلة…؟ من سيجيب يا ترى؟

أضف تعليق